الطاقة النظيفة تتوسع رغم العواصف الاقتصادية
رغم التوترات التجارية العالمية، وارتفاع الرسوم الجمركية، وتقلبات الاقتصاد، تواصل أسواق الطاقة النظيفة نموها بوتيرة سريعة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. تقرير “آفاق تكنولوجيا الطاقة” الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) يرسم صورة معقدة لكنها واضحة: العالم يتحرك بثبات نحو عصر الكهرباء والطاقة منخفضة الانبعاثات، حتى وإن كانت الطريق مليئة بالتحديات السياسية والصناعية.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه الحكومات على حماية صناعاتها المحلية، وتتصاعد فيه المخاوف بشأن هيمنة الصين على سلاسل التوريد، تشير الأرقام إلى أن تقنيات الطاقة النظيفة لم تعد مجرد توجه بيئي، بل أصبحت سوقاً عالمية تتجاوز قيمتها تريليون دولار، مع توقعات بمضاعفتها خلال العقد المقبل. وبين السيارات الكهربائية والهيدروجين منخفض الانبعاثات والطاقة الشمسية والبطاريات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة صناعية جديدة عنوانها الأساسي: من يملك التكنولوجيا يملك المستقبل.
سوق يتضاعف حجمه… والسيارات الكهربائية في الصدارة
تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن القيمة السوقية العالمية لتقنيات الطاقة النظيفة بلغت نحو 1.2 تريليون دولار في عام 2025، بعد نمو سنوي متوسط بلغ 20% خلال العقد الماضي. وحتى في أكثر السيناريوهات تحفظاً، تتوقع الوكالة أن يتضاعف حجم السوق ليصل إلى قرابة تريليوني دولار بحلول عام 2035، وهو رقم يعادل تقريباً حجم سوق النفط الخام العالمي اليوم.
اللافت أن السيارات الكهربائية تستحوذ وحدها على نحو ثلاثة أرباع القيمة الإجمالية لسوق التكنولوجيا النظيفة المستقبلية، ما يجعلها المحرك الأكبر للتحول الصناعي والطاقوي. ويعود ذلك إلى الانخفاض الحاد في تكاليف البطاريات، التي تراجعت بنحو 75% خلال السنوات العشر الماضية، وهو ما ساهم في جعل بعض السيارات الكهربائية أرخص من السيارات التقليدية في عدد من الأسواق الناشئة.
كما ساعد انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على تسريع الانتشار العالمي للطاقة المتجددة، إذ بات نحو 80% من إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح أقل تكلفة من الفحم أو الغاز في العديد من الأسواق العالمية.
لكن التقرير يلفت إلى أن استمرار هذا النمو ليس مضموناً بالكامل، بل يعتمد بشكل كبير على السياسات الحكومية، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية ومحفزات الاستثمار. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها شبكات كهرباء متطورة، ومحطات شحن، وتمويل طويل الأجل.
الوقود منخفض الانبعاثات… فرصة كبيرة لكنها تحتاج دعماً سياسياً
إلى جانب الكهرباء، يبرز الوقود منخفض الانبعاثات كأحد الأسواق الواعدة، خصوصاً في القطاعات التي يصعب تحويلها بالكامل إلى الكهرباء مثل الطيران والشحن والصناعات الثقيلة.
ويتوقع التقرير أن ترتفع القيمة السوقية لهذا النوع من الوقود من نحو 215 مليار دولار في 2025 إلى قرابة 390 مليار دولار بحلول 2035. ويأتي نحو 60% من هذا النمو من الوقود الحيوي التقليدي مثل الإيثانول الحيوي والديزل الحيوي والغاز الحيوي.
في المقابل، ما تزال أنواع الوقود الأكثر تطوراً مثل وقود الطيران المستدام والوقود القائم على الهيدروجين تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتكلفة وضعف الانتشار التجاري. وترى وكالة الطاقة الدولية أن هذه القطاعات لن تتمكن من تحقيق قفزة واسعة من دون دعم حكومي أقوى وحوافز استثمارية واضحة.
وينطبق الأمر ذاته على المواد الصناعية منخفضة الانبعاثات، مثل الفولاذ والإسمنت والألمنيوم “النظيف”. فإنتاج هذه المواد باستخدام تقنيات احتجاز الكربون أو الهيدروجين الأخضر ما يزال أكثر تكلفة بكثير من الطرق التقليدية، ما يجعل مستقبلها مرتبطاً بشكل مباشر بالسياسات المناخية والدعم الحكومي.
ورغم ذلك، يوضح التقرير أن الاستثمار العالمي في الهيدروجين منخفض الانبعاثات ارتفع إلى نحو 8 مليارات دولار في عام 2025، بنمو سنوي بلغ 80%، بينما تجاوزت استثمارات تقنيات احتجاز الكربون 5 مليارات دولار، في مؤشر على أن المستثمرين ما زالوا يرون إمكانات بعيدة المدى في هذه القطاعات.
الصين تهيمن على الصناعة… والعالم يحاول اللحاق بها
أحد أبرز محاور التقرير يتمثل في الدور الصيني المتصاعد في سلاسل توريد التكنولوجيا النظيفة. فالصين لا تهيمن فقط على تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية، بل أصبحت أيضاً اللاعب الأكثر تأثيراً في التجارة العالمية المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وتشير الوكالة إلى أن الصين تستحوذ حالياً على ما بين 60% و85% من القدرة التصنيعية العالمية في العديد من سلاسل التوريد الرئيسية، بينما تتجاوز حصتها 95% في بعض المكونات الحيوية.
كما تتوقع أن ترتفع قيمة صادرات الصين الصافية من تقنيات الطاقة النظيفة إلى نحو 375 مليار دولار بحلول 2035، وهو ما يعادل حوالي 10% من إجمالي صادراتها السلعية الحالية.
وفي قطاع السيارات الكهربائية تحديداً، أصبحت الأسواق الناشئة الوجهة الجديدة للمنتجات الصينية. ففي عام 2020، كانت الاقتصادات الناشئة تستحوذ على أقل من 5% من صادرات الصين من السيارات الكهربائية، أما اليوم فتقترب حصتها من 40%.
وفي أمريكا الجنوبية والوسطى، تتوقع الوكالة أن تمثل السيارات الكهربائية الصينية نحو نصف مبيعات السيارات الكهربائية بحلول 2035.
هذا التوسع دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم وإجراءات حمائية لحماية صناعاتهما المحلية، لكن التقرير يشير إلى أن أثر هذه القيود ما يزال محدوداً نسبياً، لأن التجارة العالمية في التكنولوجيا النظيفة أصبحت واسعة ومتشعبة.
وفي الوقت نفسه، تحاول دول مثل الهند والولايات المتحدة بناء قدراتها الصناعية المحلية، خاصة في قطاع الطاقة الشمسية والبطاريات. وتُظهر التوقعات أن الهند قد تتحول إلى مصدر صافٍ للألواح الشمسية بحلول عام 2030.
سلاسل التوريد… نقطة الضعف الكبرى في التحول الأخضر
ورغم النمو السريع، يحذر التقرير من أن الاعتماد الكبير على الصين يشكل خطراً استراتيجياً على الاقتصاد العالمي. فالكثير من سلاسل التوريد الخاصة بالبطاريات والمعادن النادرة تتركز في مواقع محدودة، ما يجعل أي اضطراب جيوسياسي أو تجاري قادراً على تعطيل الإنتاج العالمي.
وتقدّر الوكالة أن توقف صادرات الصين من مكونات البطاريات لمدة شهر واحد فقط قد يؤدي إلى خسائر تصل إلى 17 مليار دولار في مصانع السيارات الكهربائية حول العالم، مع تأثر أوروبا بشكل خاص.
كما أن سلاسل توريد المعادن النادرة المستخدمة في توربينات الرياح والسيارات الكهربائية ما تزال شديدة التركّز داخل الصين، وهو ما ظهر بوضوح بعد فرض بكين قيوداً على تصدير بعض العناصر النادرة مؤخراً.
ولهذا، بدأت العديد من الدول في البحث عن شراكات صناعية جديدة وتنويع مصادر الإنتاج. ويشير التقرير إلى أن بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تصبح لاعباً مهماً في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بفضل انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة فيها.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي استيراد مكونات الألواح الشمسية من شمال أفريقيا إلى خفض تكلفة تصنيع الألواح الأوروبية بنحو 20%. كما أن التعاون الصناعي بين أوروبا والهند في تصنيع توربينات الرياح قد يقلص فجوة التكلفة مع الصين بنسبة تصل إلى 75%.
يكشف تقرير وكالة الطاقة الدولية أن التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد مجرد مشروع بيئي، بل أصبح معركة اقتصادية وصناعية عالمية تحدد ملامح النفوذ في العقود المقبلة. فالتكنولوجيا النظيفة تواصل توسعها رغم الضغوط السياسية والتجارية، مدفوعة بانخفاض التكاليف وتسارع الطلب العالمي.
لكن الطريق لا يزال مليئاً بالتحديات، بدءاً من الاعتماد الكبير على الصين، مروراً بتكاليف الإنتاج المرتفعة في بعض القطاعات، وصولاً إلى الحاجة الملحة لسياسات صناعية أكثر وضوحاً واستقراراً.
وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيتحول إلى الطاقة النظيفة، بل من ستكون له اليد العليا في قيادة هذا التحول والسيطرة على سلاسله الصناعية والتجارية.