هل يمكن أن تعيش بـ 2000 شيقل لمدة شهر كامل في فلسطين؟
بعد إعلان الحكومة الفلسطينية عن صرف 2000 شيقل (تعادل 650 دولارا) لأكثر من 150 ألف موظف كجزء من راتب شهر آذار، بات السؤال الأكثر إلحاحاً على ألسنة المواطنين: هل يكفي هذا المبلغ للعيش شهراً كاملاً؟
الإجابة المختصرة: لا. لكن الحياة في فلسطين لا تعرف الإجابات المختصرة، وكثير من العائلات تجد نفسها مضطرة لفعل المستحيل بما هو متاح.
علما بأن السلطة الوطنية الفلسطينية تواجه أزمة مالية خانقة بسبب احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة والتي يجب أن تدفع للسلطة الفلسطينية، منذ ما يزيد عن عامين)
الإيجار: العقبة الأولى والأثقل
في رام الله وضواحيها، يبدأ إيجار أصغر الشقق من 1500 شيقل شهرياً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الراتب يذهب الى السكن قبل أن يمر أسبوع واحد. أما في مدن كنابلس وجنين والخليل، فقد يجد المستأجر سقفاً بـ 800 إلى 1000 شيقل في اماكن بعيدة، لكن ذلك يستنزف نصف المبلغ من أوله. الموظف الذي يمتلك منزلاً أو يسكن مع ذويه هو الوحيد الذي قد يجد متنفساً حقيقياً في هذه المعادلة الصعبة.
الغذاء: تحدي إطعام خمسة أفواه
لإطعام عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص طوال الشهر، تشير التقديرات إلى حاجة لا تقل عن 1200 شيقل، وذلك في حال الاقتصار على الضروريات من خضار وبقوليات وخبز، والابتعاد الكامل عن اللحوم والفواكه والمنتجات المصنّعة. ارتفاع الأسعار الذي تجاوز 20% خلال العام الماضي يجعل هذه الحسابات أكثر قسوة يوماً بعد يوم.
"نحن نأكل مرة واحدة في اليوم أحياناً ونشتري الخبز فقط، الـ 2000 شيقل لا تكفي لأسبوعين فكيف بشهر كامل" — هكذا عبّر موظف حكومي من نابلس عن واقعه المرير.
المواصلات: رفاهية أم ضرورة؟
مع الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، أصبح تشغيل سيارة خاصة حلماً بعيد المنال لمن يعيش على 2000 شيقل. تكلفة البنزين للاستخدام اليومي لا تقل عن 600 إلى 800 شيقل شهرياً في أحسن الأحوال. أما ركوب وسائل النقل العام للتنقل بين المدن والبلدات، فلا يقل عن 200 إلى 400 شيقل شهرياً، وهو مبلغ يُشكّل عبئاً ثقيلاً على من لم يتبقَّ له سوى فتات بعد دفع الإيجار وشراء الطعام. كثير من الموظفين باتوا يتركون سياراتهم في المنزل ويعتمدون على المشي أو يستعينون بجيرانهم، في مشهد بات مألوفاً في شوارع المدن الفلسطينية.
الفواتير والأعباء الأخرى: الجحيم الصامت
ما لم يُحتسب بعد هو فاتورة الكهرباء والماء التي تتراوح بين 200 و350 شيقل شهرياً، والمصروف المدرسي والدواء ومستلزمات النظافة الأساسية. هذه البنود "الصغيرة" مجتمعةً تُشكّل ما لا يقل عن 400 إلى 600 شيقل إضافية، وهي أرقام تبدو وكأنها تسخر من كل من يحاول رسم ميزانية واقعية بهذا المبلغ.
خلاصة الحساب: عجز لا يقبل الجدل
الحسابات الواقعية تقول إن موظفاً يستأجر شقة ويسعى لإعالة أسرته لن يجد في جيبه شيئاً بعد الإيجار والطعام والمواصلات والفواتير. بل إنه سيجد نفسه أمام عجز مالي حقيقي حتى وهو يتقشف إلى أقصى الحدود.
الـ 2000 شيقل ليست راتباً، بل هي إشارة استغاثة. هي تعبير صارخ عن حجم الأزمة التي يرزح تحتها الموظف الفلسطيني، وليست حلاً لها. الحكومة تعلم ذلك، والموظف يعلمه، والمواطن يعيشه كل يوم بين جدران بيت بالكاد يستطيع دفع إيجاره.
والسؤال الحقيقي الذي يبقى معلّقاً في الهواء: إلى متى؟