أيوفي: ميثاق الاستقلالية للنوافذ الإسلامية
ضرورة التنظيم في عصر التوسع
شهدت الصناعة المالية الإسلامية نمواً متسارعاً، لم يقتصر على المؤسسات المالية الإسلامية المتكاملة، بل امتد ليشمل "النوافذ المالية الإسلامية" التي تقدم خدمات متوافقة مع الشريعة ضمن مظلة المؤسسات المالية التقليدية. ومع تزايد حجم هذه النوافذ وتوسع نطاق منتجاتها، برزت الحاجة الماسة إلى إطار حوكمة شرعية شامل وفعّال يضمن النزاهة والالتزام الشرعي، ويحمي سمعة الصناعة ككل.
في هذا السياق، يأتي إصدار مجلس الحوكمة والأخلاقيات بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) لمعيار الحوكمة الشرعية رقم (23)، بعنوان "تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على النوافذ المالية الإسلامية"، ليمثل خطوة محورية نحو سد الفجوات التنظيمية وتعزيز الثقة في هذا النموذج الهجين. يهدف هذا المعيار إلى وضع إطار شامل يحدد المبادئ والقواعد الإرشادية وأفضل الممارسات لضمان حوكمة شرعية سليمة وفعّالة للنوافذ الإسلامية.
النوافذ الإسلامية: تعريف جديد ومسؤولية كاملة
يعرّف المعيار النافذة المالية الإسلامية بأنها: "مؤسسة تعد التقارير المتضمنة على الخدمات المالية الإسلامية التي تقدمها مؤسسة مالية تقليدية من خلال الفروع و/أو الأقسام القائمة بذاتها". وبموجب هذا التعريف، فإن المعيار يتطلب تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على هذه النوافذ باعتبارها ضمن تعريف المؤسسات المالية الإسلامية، وبالتالي تخضع لجميع معايير أيوفي ذات الصلة.
إن أهمية هذا المعيار تنبع من كونه يضع حداً لاحتمالية ضعف الحوكمة الشرعية أو عدم الالتزام الكامل بها في النوافذ، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر سمعة عالية. لذا، فإن التطبيق الشامل لمبادئ الحوكمة الشرعية على هذه النوافذ يعد أمراً حيوياً لضمان النزاهة والالتزام الشرعي في كل عملياتها، والوفاء بمسؤولياتها الاستئمانية تجاه جميع أصحاب المصالح بطريقة عادلة وشفافة.
ركائز الاستقلالية: نموذج "مؤسسة داخل مؤسسة"
لتحقيق الفعالية المطلوبة، يحدد المعيار متطلبات صارمة لضمان الاستقلالية القصوى للنافذة الإسلامية عن المؤسسة التقليدية الأم، ويتبنى نموذج "مؤسسة داخل مؤسسة". وتتركز هذه المتطلبات في عدة جوانب أساسية. أولاً، على صعيد فصل الأموال والحسابات، يجب الاحتفاظ بأموال النافذة المالية الإسلامية بشكل منفصل كلياً عن أموال المؤسسة التقليدية الأم، على أساس التقاص في نهاية اليوم، ويشمل ذلك الاحتفاظ بحسابات منفصلة مع المصرف المركزي وغرف المقاصة، مما يضمن عدم اختلاط الأموال الشرعية وغير الشرعية ويعزز الشفافية والمساءلة المالية. ثانياً، فيما يتعلق بهيكل الحوكمة الشرعية، يجب أن يتألف إطار الحوكمة الشرعية للنافذة من نفس المكونات التي تتألف منها أي مؤسسة مالية إسلامية 100%، بما في ذلك هيئة الرقابة الشرعية، والتدقيق الشرعي الداخلي والخارجي، لضمان تطبيق الرقابة الشرعية المستقلة والمحايدة على جميع العمليات والمنتجات. ثالثاً، يجب أن يكون النظام المصرفي الآلي / نظام تقنية المعلومات قادراً على تمييز الطبيعة الخاصة للعقود والمصطلحات وآليات التنفيذ في المالية الإسلامية، واحتساب الربح والمعالجة المحاسبية وفق المتطلبات الشرعية، مما يضمن دقة المعالجات المحاسبية والشرعية ويقلل من مخاطر الأخطاء التشغيلية. وأخيراً، فيما يخص قيادة النافذة، يجب أن يكون لمدير النافذة منصب عالٍ في التسلسل الهرمي للمؤسسة، وأن يكون مكرساً لعمليات النافذة الإسلامية فقط، ويرفع التقارير مباشرة إلى الرئيس التنفيذي للمؤسسة الأم، لضمان التزام الإدارة العليا بأهداف النافذة ومنع تضارب المصالح.
التحول إلى شركة تابعة: توصية استراتيجية
لم يكتفِ المعيار بوضع إطار للحوكمة، بل قدم توصية استراتيجية بعيدة المدى. يوصى بشدة بأن يسمح للنافذة المالية الإسلامية بالانفصال إلى شركة تابعة مملوكة بالكامل أو بشكل جزئي للشركة التقليدية الأم عندما تصل إلى حد معين من الموجودات ورأس المال التنظيمي. هذه التوصية تهدف إلى تحقيق الاستقلالية الكاملة للنافذة، مما يتيح لها النمو والنضج ككيان مالي إسلامي مستقل، ويقلل من المخاطر التشغيلية والسمعة المرتبطة بالتبعية للمؤسسة التقليدية.
متطلبات الكفاءة والنزاهة في القيادة
يولي المعيار أهمية قصوى لكفاءة ونزاهة القيادة في النافذة الإسلامية. حيث يجب أن يتمتع رئيس (مدير) النافذة بالمعرفة والمؤهلات والخبرة الكافية في مجال المصرفية والمالية الإسلامية، مع الحرص على استيفاء متطلبات النزاهة المالية والأخلاقية والسمعة الحسنة. هذا التركيز على الكفاءة يضمن أن القرارات المتخذة لا تلتزم بالمتطلبات الشرعية فحسب، بل تكون أيضاً سليمة من الناحية التجارية والمالية.
تعزيز الثقة والشفافية
يمثل معيار أيوفي رقم (23) خطوة نوعية في مسيرة التمويل الإسلامي، فهو لا يفرض قواعد فحسب، بل يرسم مساراً واضحاً لتعزيز الشفافية والمصداقية في نموذج النوافذ الإسلامية. من خلال تطبيق مبادئ الاستقلالية المالية والإدارية والرقابية، يساهم المعيار في تخفيف مخاطر السمعة النظامية، ويعزز الثقة لدى العملاء والمستثمرين بأن الخدمات المقدمة متوافقة تماماً مع الشريعة الإسلامية، مما يدعم استدامة ونمو الصناعة المالية الإسلامية ككل.
المصدر:
مجلس الحوكمة والأخلاقيات بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، معيار الحوكمة الشرعية رقم (23): تطبيق مبادئ الحوكمة الشرعية على النوافذ المالية الإسلامية.