منصات التواصل الاجتماعي تحت مجهر القضاء
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو التواصل، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة معركة قانونية وعلمية كبرى. فبعد سنوات من الأبحاث التي حذرت من مخاطر "التمرير اللانهائي"، انتقل الملف من أروقة المختبرات إلى قاعات المحاكم وطاولات الحكومات، خاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
تحركات قضائية ضد عمالقة التكنولوجيا
تواجه شركات كبرى مثل ميتا (Meta) وجوجل (Google) دعاوى قضائية متصاعدة في الولايات المتحدة، تتهم منصاتها (مثل إنستغرام ويوتيوب) بالتسبب في أضرار نفسية وجسدية للمراهقين. ولا تقتصر الاتهامات على التأثير النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل مخاطر سلوكية مثل التحريض غير المباشر على "إساءة استخدام الكحول" نتيجة التعرض المستمر لمحتوى غير خاضع للرقابة الكافية.
في المقابل، يواجه تطبيق تيك توك (TikTok) ضغوطاً سياسية وقانونية مماثلة في دول الاتحاد الأوروبي، وسط مخاوف من تصميمات التطبيقات التي تعزز الإدمان الرقمي.
أرقام وحقائق: ما كشفته الدراسات العلمية
أصبحت ظواهر مثل "التصفح القسري للأخبار السلبية" (Doomscrolling) جزءاً من حياة المراهقين الذين يقضون ما بين 2.5 إلى 4 ساعات يومياً خلف الشاشات. وقد كشفت الدراسات الحديثة عن نتائج متباينة تعكس عمق الأزمة:
- انقسام في الرفاهية: أظهرت دراسة هولندية أن 28% من المراهقين يشعرون بأن التواصل الاجتماعي يضر بصحتهم النفسية، مقابل 26% يرون أنه يحسنها.
- الإرهاق المزمن: في ألمانيا، أكدت أكاديمية العلوم أن 30% من الشباب يعانون من التعب الصباحي بسبب السهر الطويل على الهواتف.
- تصنيف الإدمان: بحسب إحصاءات عام 2025 في ألمانيا، فإن واحداً من كل أربعة مراهقين (بين 10 و17 عاماً) يستخدم المنصات بشكل "إشكالي"، بينما يعاني 5% منهم من إدمان فعلي.
جلد الذات الرقمي: اعترافات المستخدمين
المثير للاهتمام هو الوعي الذاتي لدى الشباب؛ فقد كشفت دراسة ألمانية سنوية أن 68% من المشاركين يعترفون بأنهم يقضون وقتاً على هواتفهم أطول مما خططوا له بكثير. ورغم هذا الانغماس، عبرت نسبة مماثلة عن رغبتها وحبها لقضاء وقت "خارج الشبكة" (Offline) والاستمتاع بالحياة دون إنترنت.
يواجه القضاء الأمريكي والأوروبي اليوم تحدياً أخلاقياً وقانونياً: هل يمكن اعتبار الخوارزميات "منتجات معيبة" تسبب الضرر لمستخدميها؟ وبينما تستمر المعارك في المحاكم، يبقى المراهقون هم الضحية الأولى في صراع بين شركات تسعى للربح عبر "الاستحواذ على الانتباه" وبين مجتمعات تحاول حماية صحة أجيالها القادمة.