Middle East Business

الصحافة في مهب الريح: هل ينجو العالم من أزمة المعلومات الكبرى؟

صورة المقال

الصحافة في مهب الريح: هل ينجو العالم من أزمة المعلومات الكبرى؟

في وقتٍ يهرع فيه العالم نحو الموعد النهائي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، يبرز تقرير اليونسكو العالمي الجديد (2022-2025) ليقرع ناقوس الخطر حول حالة حرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام. تحت عنوان "الصحافة: بناء عالم يسوده السلام"، يكشف التقرير عن مشهد معقد تتصارع فيه طموحات الانفتاح الرقمي مع موجات عاتية من القمع، الاستقطاب، والتحولات التكنولوجية التي أعادت صياغة مفهوم الحقيقة.

تراجع تاريخي وانكماش ديمقراطي

تعيش حرية الصحافة اليوم أسوأ أيامها؛ إذ سجلت أكبر تراجع لها منذ عام 2012. ووفقاً لمؤشر معهد "V-Dem"، انخفضت مستويات حرية التعبير العالمية بنسبة تفوق 10% خلال العقد الأخير. هذا التراجع ليس مجرد رقم عابر، بل هو "تحول غير مسبوق" ذو دلالة تاريخية، حيث لم تشهد البشرية تراجعات مماثلة إلا في فترات الحروب العالمية أو ذروة الحرب الباردة.

ويتزامن هذا التآكل مع "انكماش ديمقراطي" حاد؛ فللمرة الأولى منذ عقدين، بات عدد الأنظمة غير الديمقراطية يفوق عدد الديمقراطيات في العالم. والأرقام هنا تتحدث بصوت أعلى: 72% من سكان العالم يعيشون الآن تحت وطأة أنظمة غير ديمقراطية، وهي النسبة الأعلى المسجلة منذ عام 1978.

الصحفيون في "ميدان القتل" والقمع القانوني

لم يعد القلم سلاحاً آمناً، بل تحول صاحبه إلى هدف مباشر. خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، لقي 310 صحفيين حتفهم. والأخطر من القتل هو الإفلات من العقاب؛ إذ إن 85% من قضايا قتل الصحفيين لا تزال بلا تسوية قانونية.

وإلى جانب العنف الجسدي، برزت "الرقابة الذاتية" كظاهرة متفاقمة بنسبة زيادة سنوية بلغت 4.83% منذ عام 2012. كما استعرت حرب التشريعات، حيث لا تزال قوانين تجريم الثلب قائمة في 160 دولة، وتُستخدم كأداة لقمع الصحافة المستقلة، مما أدى إلى وصول عدد الصحفيين المسجونين إلى رقم قياسي بلغ 361 صحفياً في عام 2020.

ولم تكن الصحفيات بمنأى عن هذا الاستهداف، بل تعرضن لهجمات "غير متناسبة"؛ حيث أبلغت 73% من الصحفيات عن تعرضهن لاعتداءات رقمية، بينما واجهت 41% منهن تحرشاً لفظياً أو جسدياً أثناء أداء مهامهن.

وحوش التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

في البعد التكنولوجي، يواجه العالم أزمة "سلامة المعلومات". فالشركات التكنولوجية الكبرى (Meta, Alphabet, Amazon) باتت تسيطر على أكثر من 50% من الإنفاق الإعلاني العالمي، مما أدى إلى تجفيف منابع تمويل الصحافة المهنية.

ومع الصعود المتفجر للذكاء الاصطناعي التوليدي، واجهت وسائل الإعلام تهميشاً إضافياً؛ إذ يتم إغراق الجمهور بمحتويات ترفيهية تحمل تحيزات ثقافية وجنسانية، تعززها واجهات حوارية مصممة لزيادة التفاعل على حساب الحقائق الموثوقة. هذا المشهد خلق بيئة خصبة لخطاب الكراهية الذي يواجهه 67% من المستخدمين عبر الإنترنت، وللمعلومات المضللة التي يخشى 7 من كل 10 أشخاص تأثيرها على نزاهة الانتخابات.

جبهة المناخ: الحقيقة تحت النار

لم تقتصر الأزمة على السياسة، بل امتدت لتشمل بقاء الكوكب. يتعرض الصحفيون البيئيون لهجمات متزايدة، حيث قُتل 46 صحفياً بيئياً منذ عام 2010، وتعرض ما لا يقل عن 749 صحفياً مختصاً في قضايا البيئة لهجمات في 89 بلداً. وفي المقابل، ارتفعت منشورات إنكار تغير المناخ عبر المنصات الرقمية بنسب تتراوح بين 24% و40%، مما يهدد العمل المناخي العالمي.

رياح الأمل: تيارات مضادة

رغم هذا القتامة، يرصد التقرير "تيارات مضادة" تبشر بالصمود. فبين عامي 2020 و2025، انضم 1.5 مليار شخص جديد إلى منصات التواصل، مما وسع فرص التفاعل مع المعلومات كمنفعة عامة. كما برزت نجاحات في الصحافة الاستقصائية التعاونية العابرة للحدود، وزيادة في الاشتراكات الإخبارية المدفوعة.

وعلى الصعيد التشريعي، اعترفت 96 دولة (49% من بلدان العالم) بالإعلام المجتمعي قانونياً، وقدم أكثر من ثلثها تمويلاً مباشراً لدعمه، مما يعزز التعددية الإعلامية في المناطق النائية والمهمشة.

الخاتمة: نحو حوكمة متجددة

يخلص تقرير اليونسكو إلى نتيجة حتمية: إن تآكل حرية التعبير لا يهدد الغاية 16.10 من أهداف التنمية المستدامة فحسب، بل يلقي بظلاله على جدول أعمال التنمية برمته. فبدون "معلومات موثوقة ومتاحة"، لا يمكن تحقيق تقدم في التعليم أو الصحة أو المناخ.

الرسالة الجوهرية واضحة؛ العالم بحاجة ماسة إلى حوكمة متجددة ومتعددة الأطراف للاتصالات، تكون متجذرة في حرية التعبير وضمان المعلومات كمنفعة عامة. إن حماية الصحافة ليست ترفاً سياسياً، بل هي حجر الزاوية لبناء عالم يسوده السلام والاستقرار.

المصدر: منظمة اليونسكو، "تقرير الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام: التقرير العالمي للفترة 2022-2025".

التعليقات

أضف تعليقًا