ضرائب السلع الضارة بين الصحة والإيرادات
كتب بنجامين فرانكلين في أحد مؤلفاته الشهيرة في عام 1789 يقول "لا شيء مؤكد سوى الموت والضرائب". ولكن ماذا لو كان بإمكان الضرائب أن تؤجل الموت على الأقل؟ وذلك أحد أسباب فرض ضرائب انتقائية على المنتجات غير الصحية كالكحول والتبغ والسكر.
وتشكل هذه الضرائب وسيلة فعّالة لتعبئة الإيرادات الضريبية المحلية التي تشتد الحاجة إليها، وتشجيع مزيد من السلوك الصحي، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل مع نضوب ميزانيات المساعدات. وكذلك لفت انتباه الناس إلى أن الحد من التدخين ومن تناول الكحول يساعد في خفض الإنفاق على الصحة العامة.
وفي الواقع، ظلت ضرائب "الخطيئة" أو "الضرائب السلوكية" قائمة منذ آلاف السنين: فقد سُجّلت ضرائب على البيرة في مصر القديمة وترجع إلى عام 2400 قبل الميلاد. ويعود استمرارها، جزئيا، إلى سهولة تحصيلها نسبيا. ولكن في السنوات الأخيرة، برزت تحديات جديدة مع دخول عدد كبير من المنتجات الجديدة إلى السوق. لننظر إلى السجائر الإلكترونية، وأكياس النيكوتين، والبيرة منخفضة الكحول. ولتحقيق الأهداف المتعلقة بالصحة، يجب على صناع السياسات مواكبة هذه التطورات وتبسيط أنظمتهم الضريبية التي غالبا ما تكون غير مكتملة. ومن شأن الجمع بين بيانات الضرائب والصحة أن يجعل هذه المهمة أسهل.
إيرادات ثابتة
ثبُت أن الضرائب الانتقائية - بما في ذلك الضرائب على التبغ والكحول والسكر - مصدر موثوق لإيرادات الحكومة ومقبول من الناحية السياسية وذلك عندما تكون الميزانيات محدودة، حيث تُدرّ في المتوسط حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية. وتحظى هذه الضرائب بتأييد أكبر في الاقتصادات النامية، لكنها شهدت مؤخرا تراجعا في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة، ويرجع ذلك أساسا إلى تآكل الإيرادات نتيجة التضخم وتغير سلوك المستهلك. وتُدرّ الضرائب المفروضة على التدخين أكبر قدر من الإيرادات، تليها الضرائب المفروضة على الكحول. وأما الضرائب المفروضة على المشروبات السكرية - والتي لا تزال غير شائعة نسبيا - فتُدرّ عادةً إيرادات أقل.
فكيف يمكن للحكومات أن تحقق أقصى استفادة من هذه الضرائب، سواء من حيث الدخل الضريبي أو المزايا الصحية؟ إن مجرد رفع أسعار الضرائب لن يكون كافيا: وآجلا أو عاجلا، سيلجأ المدخنون ومدمنو الكحول - بدلا من الإقلاع عن التدخين وتناول الكحول - إلى بدائل غير خاضعة للضرائب أو غير مشروعة. إن تكوين فهم أفضل للمخاطر الصحية وكيفية استجابة المستهلكين والمنتجين للضرائب يمكن أن يُسترشد به في اتخاذ القرارات بشأن السياسات. وهذا يستلزم اتباع منهج شامل قائم على ثلاثة مبادئ: حصر جميع المنتجات غير الصحية، ومواءمة أسعار الضرائب مع الضرر المحتمل على الصحة، والتعاون عبر الحدود للحد من التهرب الضريبي والتهريب.
فرض ضرائب على كل شىء
تفرض معظم البلدان ضرائب انتقائية على السلوكيات غير الصحية، لكن هناك أمثلة على وجود ثغرات كثيرة في الشبكات الضريبية. ففي منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، على سبيل المثال، لا تُفرض ضرائب على النبيذ إطلاقا، لكن المشروبات الروحية المقطرة تخضع لضرائب تتجاوز 100%. وفي ساو تومي وبرينسيبي الإفريقية، يُعفى نبيذ النخيل، أحد أكثر المشروبات استهلاكا في البلاد، من الضرائب؛ بينما تخضع جميع المشروبات الكحولية الأخرى للضريبة. وفي إثيوبيا، لا تزال أوراق القات، وهي منبه ترفيهي شائع يرتبط بمشكلات صحية في الفم والقلب والأوعية الدموية والصحة العقلية، معفاة من الضرائب رغم الضرائب الباهظة المفروضة على الكحول والتبغ. ومن شأن سد هذه الثغرات زيادة الإيرادات الضريبية وتحسين الصحة العامة.
تسعير الضرر
لكن على صناع السياسات التفكير بشكل أوسع نطاقا في كيفية تغيير السلوكيات غير الصحية. وفي الوضع المثالي، ينبغي أن يعكس مستوى الضرائب درجة الضرر الذي يُحتمل أن يُحدثه المنتج مع الحفاظ على الإيرادات الكلية في الوقت ذاته.
وتكمن الصعوبة في تحديد ذلك الضرر، سواءً كان مباشرا على المستهلك أو غير مباشر على الآخرين (مثل، التدخين السلبي أو القيادة تحت تأثير الكحول). ويعتمد الضرر في جزء منه على مكونات المنتج، مثل الإيثانول في المشروبات الكحولية، والسكر المضاف في المشروبات المحلاة، والمواد الكيميائية السامة في منتجات التبغ، وفي الجزء الآخر على طريقة تناول هذه المواد أو مكوناتها. ويعتمد الضرر أيضا على أنماط الاستهلاك؛ أي الكمية التي يستهلكها الناس، ودرجة تواتر هذا الاستهلاك، وما إذا كان المستهلكون يقرنوها باستهلاك ضار آخر. ويستحيل على صناع السياسات رصد هذا السلوك أو أخذه في الحسبان عند تحديد أسعار الضرائب. ولذلك، يتمثل أحد المناهج العملية في فرض ضرائب على المنتجات بناءً على كمية المادة الضارة وطريقة تناولها (مثل حرق التبغ مقارنة بتسخينه)، وذلك استنادا إلى متوسط أنماط الاستهلاك.
وهذه الفكرة ليست جديدة. فالمشروبات الروحية، على سبيل المثال، لطالما خضعت لضرائب أعلى مقارنة بالبيرة أو النبيذ، نظرا لارتفاع نسبة الكحول فيها. ولكن ما تغير هو قاعدة الأدلة. إن التطور في البحوث الطبية، إلى جانب إتاحة بيانات أفضل حول العلاقة بين المواد وطرق تناولها والمخاطر الصحية المرتبطة بها، من شأنها الآن أن تجعل عملية ربط الضرائب بالضرر بشكل منهجي ومتسق أسهل.
ويفرض كثير من البلدان بالفعل ضرائب على المشروبات بناءً على نسبة السكر أو الكحول في اللتر الواحد، وذلك لتقييم المخاطر الصحية المرتبطة بالمنتجات الجديدة في السوق بشكل أفضل. وتتسق هذه الاستراتيجية مع الاتجاهات المجتمعية الأوسع نطاقا حيث تتغير أنماط الاستهلاك في كثير من الاقتصادات المتقدمة؛ فعندما يتجه آباء جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى تناول الكوكتيل الممزوج بالكحول، يختار أبناؤهم من جيل "زد" بشكل متزايد تناول مشروب غير كحولي بدلا من ذلك.
وفي إطار استراتيجية طويلة الأجل، يشجع أيضا هذا النظام الضريبي القائم على الضرر الموردين على تعديل محافظ منتجاتهم. فعلي سبيل المثال، تُشكّل البيرة الخالية من الكحول التي تُنتجها مصانع الجعة الألمانية حوالي 9% من المبيعات، ويركّز البحث والتطوير على إنتاج مجموعة كبيرة من هذه الأنواع. وبمجرد أن تتضح ملامح التوجهات الضريبية في هذا القطاع، سيتكيّف معها.
أضرار التدخين
تُمثل منتجات النيكوتين تحديا ذا طبيعة خاصة. فمع تطبيق حظر التدخين وتغيّر تفضيلات المدخنين، تُلبّي بدائل السجائر التقليدية - من السجائر الإلكترونية إلى منتجات التبغ المُسخّن وأكياس النيكوتين - احتياجات أولئك الذين لا يستطيعون الإقلاع عن التدخين. والخبر السار هو أن كثيرا من هذه المنتجات الجديدة، رغم أنها لا تزال ضارة، تقلل من التعرض للمواد السامة (انظر الرسم البياني 1). ولذلك، من المنطقي فرض ضرائب عليها بمعدل أقل، يمكن تعديله مع توافر البحوث وتطور الاحتياجات للإيرادات.
وتشكل نيوزيلندا مثالا جيدا على كيفية مساهمة الضرائب في تشجيع الناس على الإقلاع عن التدخين. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، رفعت الحكومات المتعاقبة أسعار الضرائب الانتقائية على منتجات التبغ القابلة للاحتراق بنسبة 10% أو أكثر سنويا، في استراتيجية مدروسة لزيادة الفارق الضريبي مقارنة بالبدائل الأقل ضررا. وبشكل عام، انخفضت نسبة مدخني السجائر من 18% عام 2012 إلى 8% عام 2024؛ بينما زاد استخدام السجائر الإلكترونية الأقل ضررا من نسبة تقترب من الصفر إلى 14% خلال الفترة ذاتها. ويصعب إثبات علاقة السببية، لكن يبدو من المؤكد أن ارتفاع فروق الأسعار قد ساهم جزئيا في هذا التحول. فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية حتى عام 2020، لكنها انخفضت قليلا منذ ذلك الحين.
ويشجع الاتحاد الأوروبي أعضاءه على اتباع استراتيجية مماثلة. ويُفرّق معظمهم بالفعل بين منتجات التبغ القابلة للاحتراق وغير القابلة للاحتراق في أنظمة الضرائب الانتقائية الخاصة بهم. وتقترح المسودة التي نُشرت مؤخرا الصادرة عن المفوضية الأوروبية بشأن التوجيه المعني بالضرائب الانتقائية على التبغ حدا أدنى للضرائب المفروضة على 13 فئة من المنتجات؛ حيث يفرض ضرائب على السجائر والتبغ السائب بمستويات مماثلة؛ ويحدد معدلات أقل بكثير للسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المُسَخَّن وأكياس النيكوتين. ولا يوجد منتج من منتجات التبغ أو النيكوتين معفى من الضرائب، ويتم تحديد الأسعار لمواكبة التضخم أو تجاوزه.
عندما يختل التسعير
في كثير من البلدان منخفضة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة، تُشكل أسعار الضرائب حوافز معاكسة. فعلى وجه الخصوص، تخضع منتجات التدخين والكحول الضارة، والتي غالبا ما تُنتج محليا، لضرائب انتقائية منخفضة. ففي جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، تبلغ الضريبة على وحدة الكحول من البيرة الإفريقية التقليدية حوالي خُمس الضريبة المفروضة على وحدة الكحول في أنواع البيرة الأخرى. وعلى غرار ذلك، تفرض الهند ضرائب على سجائر "بيدي" اليدوية، وهي سجائر محلية الصنع من التبغ غير المعالج، أقل بكثير من ضرائب السجائر بمرشح، بينما تُحظر البدائل الخالية من الدخان. إن عدم الاتساق في الأسعار يوحي على عكس الحقيقة بانخفاض المخاطر الصحية ويدعم استهلاك المنتجات التي غالبا ما تكون أشد خطورة، ويحول الاستثمار نحو الصناعات المعاكسة. ورغم أن هذا التسعير غالبا ما يكون مبررا استنادا إلى أسس تتعلق بالتوزيع، فإنه يأتي بنتائج عكسية عندما يتعلق الأمر بحماية الفئات ذات الدخل المنخفض، والتي غالبا ما تستهلك المنتجات التقليدية أكثر من غيرها.
وإذا نظرنا إلى بلدان مجموعة العشرين وأنواع المنتجات المختلفة، نجد أن ضرائب السلع الضارة مختلطة (انظر الرسم البياني 2). فالضرائب المفروضة على التبغ شاملة للغاية، وأقل شمولا بالنسبة للمشروبات الكحولية، وغير متسقة بالنسبة للمشروبات السكرية. وفي بعض الأحيان، يحل الحظر محل الضرائب، كما هو الحال مع منتجات التبغ الجديدة في الأرجنتين وتركيا؛ ولا تفرض السعودية ضرائب على المشروبات الكحولية، لأنها كان محظورة تماما حتى وقت قريب. ومع ذلك، فقد تحقق تقدم كبير في هذا الشأن في السنوات القليلة الماضية؛ ففي السابق، نادرا ما كان صناع السياسات يأخذون الاعتبارات الصحية في الحسبان عند تحديد أسعار الضرائب. ولكن هناك مجالا كبيرا لتحسين مواءمة أسعار الضرائب مع أضرار المواد المستهدفة.
التعاون عبر الحدود
لتحقيق أقصى استفادة من ضرائب السلع الضارة، يجب على البلدان التعاون فيما بينها لمراعاة ديناميكيات السوق الإقليمية. ويمكن أن تؤدي الفروق الضريبية الكبيرة عبر الحدود إلى تحفيز المستهلكين على البحث عن خيارات أرخص بالقرب منها، مما يحد من التأثير الصحي ومن الإيرادات.
فعلى سبيل المثال، عندما خفّضت فنلندا ضريبة الكحول بشكل كبير عام 2004، ارتفعت مبيعات المشروبات الروحية بنسبة 150% في بعض المدن الحدودية مع السويد. وقد استخدمت دراسة حديثة في النرويج، وهي بلد آخر يفرض ضرائب باهظة على الكحول، بيانات إغلاق الحدود خلال فترة جائحة كوفيد وبيانات المتاجر لتحديد التداعيات المماثلة الكبيرة للتسوق عبر الحدود. وتشير التقديرات إلى أن مشتريات الكحول عبر الحدود على مستوى الاتحاد الأوروبي تبلغ 1,4 مليار لتر سنويا، مما تنتج عنه خسائر في الضرائب الانتقائية تبلغ حوالي 4 مليارات يورو سنويا.
ولا تقتصر المشكلة على أوروبا ذات الكثافة السكانية العالية والتي لا تفصل بين بلدانها حدود. فعلى سبيل المثال، حوّلت الضرائب المنخفضة للغاية على التبغ في باراغواي البلاد إلى مركز لتهريب السجائر إلى جيرانها ذوي الضرائب الأعلى؛ فهذه المنتجات الرخيصة تُشكّل الآن نحو 20% من سوق السجائر في البرازيل، وتُكبّدها خسائر في إيراداتها تُقدّر بنحو 400 مليون دولار أمريكي سنويا.
فحيثما يكون التسوق عبر الحدود غير مشروع، فإن تشديد إنفاذ الإجراءات قد يُسهم بلا شك في حل المشكلة. ولكن في نهاية المطاف، لن يحول دون تآكل أنظمة الضرائب على السلع الضارة سوى إقامة حوار أوثق بين البلدان وتوافق أقوى على تصنيف خطوط المنتجات الجديدة والمتطورة باستمرار.
آفاق المستقبل
الضرائب ليست مجرد أداة مالية، بل هي وسيلة فعّالة لبناء مجتمعات أكثر صحة. وربط الضرائب الانتقائية بالمخاطر الصحية النسبية قد يحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مع دعم استدامة الإيرادات، ولا سيما عند تطبيقها بشكل شامل ومتسق. وفي المقابل، تؤدي الثغرات، وعدم اتساق الحوافز، وتجزؤ المناهج إلى خسائر في الإيرادات واستمرار التعرض لأضرار يمكن تجنبها. ولذلك، يجب أن تتغير الأنظمة الضريبية مع تطور أنماط الاستهلاك وعروض المنتجات.
ولا يمكن لهذا التحول أن يحدث بمعزل عن غيره، بل يتطلب مبادئ مشتركة على المستوى الدولي بشأن كيفية الحد من المراجحة عبر الحدود والتجارة غير المشروعة. وتقوم المؤسسات العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، والهيئات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي على وجه الخصوص، بدور محوري في تطوير الأطر التي تربط الضرائب بالضرر وتشجع الابتكار نحو منتجات أكثر أمانا. ومن شأن هذه التطورات أن تعزز الصحة العامة وقدرة المالية العامة على الصمود على حد سواء..

كريستوف روزنبرغر هو اقتصادي ونائب مدير سابق لإدارة التواصل في صندوق النقد الدولي

ماريوس فان أوردت هو خبير في السياسة الضريبية وأستاذ مشارك سابق في المعهد الإفريقي للضرائب بجامعة بريتوريا.
المصدر: صندوق النقد الدولي - مجلة التنمية والتمويل