الشمول المالي للمرأة العربية: لماذا لا تزال الفجوة الحقيقية أبعد من مجرد امتلاك حساب مصرفي؟
لم تعد الفجوة الاقتصادية بين الرجال والنساء في العالم العربي تُقاس فقط بمعدلات التوظيف أو مستويات الدخل، بل باتت تُقاس أيضاً بقدرة النساء على الوصول إلى النظام المالي الرسمي والاستفادة منه. وبينما تركز كثير من النقاشات على عدد الحسابات المصرفية أو البطاقات البنكية التي تمتلكها النساء، فإن الصورة الحقيقية أكثر تعقيداً بكثير. فالمسألة لا تتعلق بالدخول إلى البنك بقدر ما تتعلق بالقدرة على استخدام الأدوات المالية لبناء الثروة والاستثمار وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
تكمن المفارقة في أن ملايين النساء العربيات يشاركن بالفعل في النشاط الاقتصادي، سواء من خلال المشاريع المنزلية أو الأعمال الصغيرة أو العمل الحر، لكن جزءاً كبيراً من هذا النشاط لا يزال يدور خارج المنظومة المالية الرسمية. وهذا يعني أن طاقات اقتصادية هائلة تبقى غير مرئية للمؤسسات المالية وغير مستفيدة من أدوات التمويل والادخار والتأمين التي تمثل أساس النمو الاقتصادي الحديث.
وتشير بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) إلى أن معدل مشاركة النساء في القوى العاملة في المنطقة العربية لا يتجاوز 20%، وهو الأدنى عالمياً، بينما يمتلك 57% من الرجال حسابات مالية مقارنة بـ 42% فقط من النساء، ما يعكس فجوة واضحة في الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية.
"المشكلة ليست في غياب النساء عن النشاط الاقتصادي، بل في استمرار وجود جزء كبير من مساهمتهن خارج النظام المالي الرسمي."
هذه الفجوة لا تعني فقط أن النساء أقل قدرة على الحصول على القروض أو إدارة المدخرات، بل تعني أيضاً أن الاقتصادات العربية تخسر جزءاً مهماً من إمكاناتها الإنتاجية والاستثمارية. فكل مشروع صغير لا يستطيع الوصول إلى التمويل، وكل رائدة أعمال تضطر للاعتماد على المدخرات الشخصية فقط، يمثل فرصة نمو ضائعة للاقتصاد بأكمله.
عندما تبدأ المشكلة قبل الوصول إلى البنك
غالباً ما يُنظر إلى الشمول المالي باعتباره قضية مصرفية، لكن التجربة العربية تشير إلى أن جذور المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فقبل أن تتعامل المرأة مع مؤسسة مالية، تكون قد واجهت بالفعل سلسلة من القيود القانونية والاجتماعية التي تؤثر على قدرتها على امتلاك الأصول أو بناء سجل مالي أو اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة.
وتوضح الإسكوا أن العديد من النساء في المنطقة يواجهن تحديات مرتبطة بحقوق الملكية والميراث والوصاية القانونية وبعض القيود الاجتماعية التي تحد من استقلاليتهن الاقتصادية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على فرص الحصول على التمويل والائتمان.
في الواقع، لا تنظر البنوك إلى الحاجة إلى التمويل فقط، بل تنظر أيضاً إلى الضمانات والأصول والقدرة على السداد. وعندما تكون النساء أقل امتلاكاً للأراضي أو العقارات أو الأصول الإنتاجية، فإن فرص حصولهن على التمويل تصبح تلقائياً أقل، حتى لو كانت مشاريعهن أكثر كفاءة أو أكثر قدرة على الاستمرار.
"فجوة التمويل ليست مشكلة مصرفية خالصة، بل هي انعكاس مباشر لفجوات أعمق في توزيع الأصول الاقتصادية داخل المجتمع."
هذا ما يفسر سبب نجاح بعض الدول في تحسين مؤشرات الشمول المالي بمجرد إجراء إصلاحات قانونية وتنظيمية، حتى قبل إطلاق برامج تمويل واسعة النطاق.
الإصلاح القانوني بوصفه سياسة اقتصادية
خلال السنوات الأخيرة، قدمت بعض الدول الخليجية نماذج لافتة في هذا المجال. ففي الإمارات العربية المتحدة، ساهمت إصلاحات تشريعية واسعة في تعزيز استقلالية المرأة الاقتصادية، بما في ذلك الحقوق المرتبطة بالتملك وإدارة الأعمال والتعاقد وفتح الحسابات المصرفية بصورة مستقلة. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على موقع الدولة في المؤشرات الدولية المتعلقة بالمرأة والاقتصاد.
أما في السعودية، فقد ارتبطت الإصلاحات التي شهدتها المملكة خلال الأعوام الماضية بتوسيع مشاركة النساء في الاقتصاد ورفع مستويات وصولهن إلى الخدمات المالية. اللافت هنا أن التأثير لم يكن ناتجاً عن زيادة عدد البنوك أو الفروع المصرفية، بل عن إزالة قيود قانونية وإجرائية كانت تحد من قدرة النساء على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة.
وهذا يقود إلى استنتاج مهم: الإصلاح القانوني ليس ملفاً حقوقياً فحسب، بل أداة اقتصادية مباشرة يمكن أن تؤثر في معدلات الاستثمار والإنتاجية والنمو.
لماذا لا تزال المؤسسات المالية جزءاً من المشكلة؟
حتى عندما تتوفر البيئة القانونية المناسبة، تبقى هناك عقبات مرتبطة بطريقة عمل المؤسسات المالية نفسها. فالكثير من المنتجات المصرفية التقليدية صُممت تاريخياً وفق أنماط استهلاك وادخار وتمويل لا تعكس بالضرورة احتياجات النساء أو طبيعة المشاريع التي يديرنها.
تشير دراسات دولية استعرضتها الإسكوا إلى أن بعض المؤسسات المالية لا تزال تتعامل مع النساء باعتبارهن فئة أكثر مخاطرة، رغم أن الأدلة العملية لا تدعم هذا الافتراض دائماً. كما أن ضعف تمثيل النساء بين المقترضين يؤدي إلى استمرار التحيزات التقليدية داخل المؤسسات المانحة للائتمان.
"حين تُبنى قرارات الإقراض على الصور النمطية أكثر مما تُبنى على البيانات، تتحول الأسواق المالية من أداة للنمو إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت."
كما أن غياب البيانات المصنفة حسب الجنس يمثل تحدياً إضافياً. فالكثير من الدول لا تمتلك معلومات دقيقة حول كيفية استخدام النساء للخدمات المالية أو أسباب عزوفهن عنها، ما يجعل تصميم السياسات أقرب إلى التقديرات العامة منه إلى التخطيط المبني على الأدلة.
ولهذا السبب برزت التجربة الأردنية بوصفها واحدة من أكثر التجارب العربية تقدماً في هذا المجال، بعدما دمجت الأهداف الجندرية بصورة واضحة في استراتيجيتها الوطنية للشمول المالي للفترة 2023-2028، مع التركيز على جمع البيانات وتحليلها وقياس التقدم بصورة منتظمة.
الفجوة الرقمية... التحدي الجديد
إذا كانت الفجوة المصرفية هي التحدي التقليدي، فإن الفجوة الرقمية أصبحت التحدي الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية.
فالعالم يتجه بسرعة نحو الخدمات المالية الرقمية، حيث أصبحت الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية والمحافظ الرقمية أدوات رئيسية لإدارة الأموال والوصول إلى الخدمات المالية. لكن النساء العربيات لا يزلن أقل استخداماً لهذه الأدوات مقارنة بالرجال.
وتوضح بيانات الإسكوا أن 64% فقط من النساء في المنطقة يستخدمن الإنترنت مقارنة بـ75% من الرجال، بينما لا تتجاوز نسبة النساء اللاتي يستخدمن المدفوعات الرقمية 22.6% مقابل 34.2% للرجال. كما أن ملكية بطاقات الخصم المباشر بين النساء لا تزال أقل بكثير من الرجال.
هذه الأرقام تكشف أن التحول الرقمي قد يخلق فجوة جديدة إذا لم ترافقه سياسات تستهدف النساء بصورة مباشرة. فالوصول إلى التكنولوجيا لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكفاءة أو الثقة في التعامل معها.
"في الاقتصاد الرقمي، يصبح الهاتف الذكي بوابة مالية، ومن لا يملك مفاتيح هذه البوابة سيجد نفسه خارج جزء متزايد من النشاط الاقتصادي."
ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟
التجارب الدولية الناجحة لم تعتمد على التكنولوجيا وحدها. ففي رواندا، على سبيل المثال، ارتبط التوسع في الخدمات المالية الرقمية باستثمارات واسعة في البنية التحتية الرقمية وبرامج محو الأمية الرقمية. كما أطلقت الحكومة برنامج "السفراء الرقميين" لتدريب المواطنين، خاصة في المناطق الريفية، على استخدام الأدوات الرقمية والخدمات المالية الحديثة. وقد ساهم ذلك في رفع مستويات الثقافة الرقمية بصورة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
أما الهند، فقد اعتمدت على شبكات نسائية محلية لنشر المعرفة المالية والرقمية داخل المجتمعات الريفية، ما ساعد على بناء الثقة في الخدمات الرقمية قبل التوسع في استخدامها.
وفي المنطقة العربية، بدأت بعض الدول باتخاذ خطوات مماثلة. فقد عملت مصر على إدماج التثقيف المالي الرقمي في البرامج التعليمية والمجتمعية، بينما دعمت المغرب البيئة التنظيمية اللازمة لنمو حلول التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية.
الاقتصاد يخسر أكثر مما نعتقد
غالباً ما يُطرح الشمول المالي للمرأة باعتباره قضية مساواة أو عدالة اجتماعية، لكن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا تجاهلت البعد الاقتصادي المباشر.
فكل امرأة قادرة على الوصول إلى التمويل تمثل مشروعاً محتملاً للنمو. وكل رائدة أعمال تستطيع الحصول على قرض أو استخدام أدوات الادخار والاستثمار الرقمية تساهم في توسيع النشاط الاقتصادي وزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل.
لهذا السبب لم تعد المؤسسات الدولية تنظر إلى الشمول المالي باعتباره ملفاً اجتماعياً فقط، بل باعتباره أحد محركات النمو الاقتصادي المستدام. فتمكين النساء مالياً لا يعني تحسين أوضاعهن الفردية فحسب، بل يعني توسيع قاعدة المستثمرين والمنتجين والمستهلكين داخل الاقتصاد.
"حين تصبح المرأة قادرة على إدارة مواردها المالية بحرية، فإن المستفيد ليس المرأة وحدها، بل الاقتصاد بأكمله."
المصدر
لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا - الإسكوا Unlocking Women’s Economic Potential in the Arab Region: Advancing Financial Inclusion and Autonomy، سلسلة موجزات السياسات، العدد 4، 2026.