الثروة بلا إنتاجية: لماذا تتعثر اقتصادات الشرق الأوسط؟
في كل مرة تهتز فيها منطقة الشرق الأوسط بفعل أزمة جيوسياسية كبرى، تتجه الأنظار سريعاً إلى أسعار النفط، وحركة ناقلات الطاقة، ومستقبل التجارة العالمية. وتتكرر العناوين نفسها تقريباً: ارتفاع في أسعار الخام، واضطراب في الأسواق، ومخاوف من تباطؤ النمو. لكن هل هذه هي القصة الحقيقية فعلاً؟ وهل تكمن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها المنطقة اليوم في الحرب الدائرة أو في تقلبات أسواق النفط، أم أن هذه الأحداث تكشف فقط عن مشكلة أعمق ظلت تتراكم بصمت على مدى عقود؟
يبدو أن السؤال الأهم ليس ما الذي فعلته الحرب بالاقتصاد، بل ما الذي كشفته عنه؟
فالصراع الحالي، الذي دفع البنك الدولي إلى خفض توقعات النمو ورفع تقديرات المخاطر الاقتصادية في المنطقة، لم يخلق فجأة نقاط ضعف جديدة في اقتصادات الشرق الأوسط. بل ألقى الضوء على اختلالات هيكلية كانت موجودة قبل اندلاع الأزمة بوقت طويل. وكما يقول أحد المبادئ الاقتصادية الراسخة، فإن الأزمات الكبرى لا تصنع الهشاشة بقدر ما تكشفها.
من السهل إلقاء اللوم على إغلاق مضيق هرمز أو اضطراب أسواق الطاقة أو تراجع تدفقات الاستثمار. غير أن الاقتصادات القوية لا تنهار لمجرد تعرضها لصدمة خارجية، بل تمتصها وتتكيف معها. أما عندما تتحول كل أزمة جيوسياسية أو مالية أو صحية إلى اختبار وجودي للاقتصاد، فغالباً ما تكون المشكلة كامنة في البنية الاقتصادية نفسها.
خلال العقود الماضية، تمتعت دول الشرق الأوسط بموارد استثنائية لم تتوافر لكثير من الاقتصادات الناشئة الأخرى. فقد تدفقت مئات المليارات من الدولارات إلى المنطقة عبر الإيرادات النفطية، وأُطلقت مشاريع بنية تحتية عملاقة، وتوسعت الاستثمارات الحكومية بوتيرة غير مسبوقة. وبالنظر إلى حجم هذه الموارد، كان من المنطقي أن يتوقع المراقبون ظهور اقتصادات تتقدم بسرعة نحو مصاف الاقتصادات الأكثر إنتاجية وتنافسية في العالم.
لكن الواقع سار في اتجاه أكثر تعقيداً.
لقد تحقق النمو، نعم. وارتفعت مستويات الدخل في العديد من الدول. وتوسعت المدن والقطاعات الاقتصادية. غير أن النمو شيء، والإنتاجية شيء آخر تماماً. فالنمو يمكن شراؤه مؤقتاً عبر الإنفاق الحكومي أو الطفرات النفطية أو التوسع الائتماني، أما الإنتاجية فهي المعيار الذي يكشف ما إذا كان الاقتصاد يخلق قيمة جديدة بالفعل أم يكتفي بإعادة توزيع الثروة المتاحة.
وهنا تبرز المعضلة التي تواجه المنطقة منذ سنوات طويلة. فالسؤال الجوهري لم يكن يوماً كم يبلغ سعر برميل النفط، بل كم قيمة اقتصادية يستطيع العامل أو المستثمر أو الشركة إنتاجها من الموارد المتاحة. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الحالية أقل أهمية من السؤال الذي فرضته على المنطقة:
لماذا لم تتحول عقود الوفرة المالية إلى طفرة مماثلة في الإنتاجية؟
لكن الحديث عن الإنتاجية يظل ناقصاً ما لم يُطرح السؤال الأكثر حساسية: لماذا بقيت إنتاجية اقتصادات المنطقة دون المستوى الذي تسمح به مواردها المالية والبشرية؟
لا يتعلق الأمر بنقص الاستثمار أو محدودية الإنفاق. فالمشكلة أعمق من ذلك. على مدى سنوات طويلة، تشكلت نماذج اقتصادية لعبت فيها الدولة دور المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، بينما بقيت المنافسة في عدد من القطاعات محدودة، واستمرت فجوات المهارات بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق، وتدفقت كميات كبيرة من رأس المال نحو أنشطة تحقق عوائد سريعة أو مدعومة، بدلاً من القطاعات القادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز الابتكار. ونتيجة لذلك، نما حجم الاقتصاد في كثير من الحالات بوتيرة أسرع من نمو كفاءته.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية إثارة في الشرق الأوسط.
وهنا يبرز سؤال ربما يكون الأكثر أهمية في النقاش الاقتصادي حول المنطقة: لماذا لم تتحول الثروة الكبيرة في الشرق الأوسط إلى طفرة إنتاجية مماثلة لما شهدته اقتصادات شرق آسيا؟ فخلال العقود التي تدفقت فيها الإيرادات النفطية والاستثمارات الحكومية إلى اقتصادات المنطقة، كانت دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان تبني نماذج نمو مختلفة، قائمة على رفع الإنتاجية والتصنيع والتكنولوجيا وتطوير رأس المال البشري. وبينما امتلك الشرق الأوسط موارد مالية أكبر بكثير، نجحت تلك الاقتصادات في تحقيق قفزات أوسع في الكفاءة والإنتاجية والقدرة التنافسية العالمية. هذه المفارقة تشير إلى أن حجم الثروة لم يكن يوماً العامل الحاسم، بل كيفية توظيفها. فالتاريخ الاقتصادي لا يكافئ الاقتصادات التي تمتلك رأس مال أكبر، بل الاقتصادات التي تستخدم رأس المال بصورة أكثر إنتاجية.
فالمنطقة ليست فقيرة في رأس المال، بل ربما تكون من أكثر مناطق العالم النامي وفرةً فيه. تدير الصناديق السيادية الخليجية أصولاً تُقدَّر بتريليونات الدولارات، كما ضخت الحكومات استثمارات ضخمة في مشاريع استراتيجية وتنموية على مدار عقود. ومع ذلك، لم تتحول هذه الوفرة المالية إلى قفزة موازية في الإنتاجية.
بمعنى آخر، لا تكمن المشكلة في حجم رأس المال المتاح، بل في العائد الاقتصادي الذي يحققه هذا الرأس المال.
وهنا يتحول السؤال من: “كم ننفق؟” إلى: “أين ننفق؟”
فالتجارب الاقتصادية الأكثر نجاحاً في العالم لم تبنِ تفوقها على حجم الإنفاق وحده، بل على قدرتها على توجيه الموارد نحو الأنشطة الأعلى كفاءة والأكثر قدرة على الابتكار وخلق القيمة المضافة. أما الاقتصادات التي تركز على توسيع حجم النشاط الاقتصادي دون رفع إنتاجيته، فإنها قد تحقق نمواً سريعاً لفترة من الزمن، لكنها تصبح أكثر عرضة للتقلبات والصدمات.
في دول الخليج، على سبيل المثال، حققت برامج التحول الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملموساً في تنمية قطاعات السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. وهي إنجازات مهمة لا يمكن التقليل من شأنها. لكن الأزمة الحالية تطرح سؤالاً أكثر عمقاً:
هل أصبحت هذه القطاعات قادرة على توليد النمو بصورة مستقلة عن الدورة النفطية وعن الإنفاق الحكومي، أم أنها ما زالت تستمد جزءاً كبيراً من زخمها من البيئة نفسها التي صنعت الطفرة النفطية؟
إنه الفرق بين التنويع الاقتصادي الشكلي والتنويع الاقتصادي الحقيقي.
فالتنويع الحقيقي لا يُقاس بعدد القطاعات الجديدة التي تظهر في الاقتصاد، بل بقدرتها على رفع الإنتاجية وتوليد قيمة مستدامة حتى في أوقات الاضطراب وعدم اليقين.
أما في الاقتصادات المستوردة للطاقة، فتبدو الصورة مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في الجوهر. فارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط على الموازنات العامة ويرفع تكاليف الإنتاج ويغذي التضخم. غير أن هذه التأثيرات ليست سوى أعراض لمشكلة أعمق تتمثل في محدودية قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. فعندما تكون الإنتاجية ضعيفة، يصبح أي اضطراب خارجي أكبر حجماً مما ينبغي، وتتحول الأزمات المؤقتة إلى تحديات مزمنة.
وتزداد أهمية هذه القضية في لحظة يشهد فيها العالم تحولات غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، والأتمتة، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، والتنافس المتزايد على الصناعات المتقدمة، كلها عوامل تعيد تعريف مصادر القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا العالم الجديد، لن يكون امتلاك الموارد الطبيعية وحده كافياً لضمان الازدهار، كما لن يكون الإنفاق الحكومي وحده قادراً على شراء النمو إلى ما لا نهاية.
ولهذا يكتسب النقاش حول السياسات الصناعية أهمية متزايدة في المنطقة. لكن نجاح هذه السياسات لا يُقاس بعدد المبادرات المعلنة أو بحجم الأموال المخصصة لها، بل بقدرتها على رفع الإنتاجية وتحسين تخصيص الموارد وتعزيز الابتكار وبناء مؤسسات قادرة على تحويل الطموحات الاقتصادية إلى نتائج ملموسة.
ربما تكمن القيمة الحقيقية للحرب الحالية في أنها أجبرت المنطقة على مواجهة سؤال ظل مؤجلاً لسنوات طويلة. فطوال عقود، كان السؤال الاقتصادي المركزي في الشرق الأوسط هو: كيف يمكن إدارة الثروة النفطية وتعظيم عوائدها؟
أما اليوم، فإن السؤال يبدو مختلفاً تماماً.
كيف يمكن خلق الثروة عندما لا يعود النفط وحده كافياً لشراء النمو؟
قد تنتهي الحرب خلال أشهر أو سنوات. وقد ترتفع أسعار النفط أو تنخفض من جديد. لكن القضية التي ستبقى حاضرة بعد انقضاء العاصفة هي ما إذا كانت اقتصادات المنطقة قادرة على تحويل وفرة رأس المال إلى وفرة في الإنتاجية، وتحويل الثروة إلى قيمة مستدامة، وتحويل النمو المؤقت إلى ازدهار طويل الأمد.
ففي النهاية، ليست الحرب هي ما يحدد مستقبل الاقتصاد الشرق أوسطي، وليست أسعار النفط وحدها من سترسم ملامح العقود المقبلة. التحدي الحقيقي يكمن في معضلة أكثر عمقاً وأقل صخباً:
قدرة المنطقة على بناء اقتصادات تنتج أكثر مما تستهلك، وتبتكر أكثر مما تنفق، وتخلق قيمة أكبر مما تستخرج من باطن الأرض.
المصدر:
البنك الدولي، التحديث الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان – أبريل 2026.