السياحة الحضرية: محرك جديد لخلق الوظائف والنمو الإقليمي
لطالما شكّلت مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجهات جاذبة للمسافرين من مختلف أنحاء العالم، من جبيل وقرطاج إلى المدينة المنورة، ومن أسواق مراكش العريقة إلى ناطحات السحاب الحديثة في دبي. فهذه المدن لا تختزن التاريخ والثقافة فحسب، بل تمثل مراكز نابضة بالتجارة والروحانية والضيافة والابتكار.
وقد أسهم قطاع السياحة في عام 2023 بنحو 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي في الشرق الأوسط و8.1% في شمال أفريقيا، متجاوزًا المتوسطات العالمية في التعافي من تداعيات جائحة كوفيد-19. ورغم هذا الأداء، لا تزال إمكانات السياحة الحضرية غير مستغلة بالكامل في المنطقة.
فجوة غير مستغلة في قلب المدن
ما زالت الأنشطة السياحية في العديد من دول المنطقة تتركز في المنتجعات الشاطئية أو عدد محدود من المزارات الدينية، في حين تبقى مدن تاريخية وأسواق تقليدية وأحياء تراثية ومواقع مدرجة على قائمة اليونسكو خارج دائرة الاستثمار الفعّال، رغم قدرتها على أن تصبح محركات اقتصادية حقيقية.
وتُظهر خبرات البنك الدولي أن تطوير السياحة الحضرية بطريقة مدروسة يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تفوق بكثير النموذج التقليدي القائم على السياحة الموسمية.
المدن… قاطرة التحول الاقتصادي
عندما تُبنى سلاسل القيمة السياحية بشكل متكامل، يتحول القطاع إلى محرّك لنمو الصناعات المرتبطة به، ما يضاعف تأثيره على الوظائف والدخل المحلي. ويتوقع المجلس العالمي للسفر والسياحة أن يوفر القطاع في الشرق الأوسط نحو 3.6 ملايين وظيفة جديدة خلال العقد المقبل، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل ارتفاع معدلات بطالة الشباب.
وتتميز السياحة الحضرية بقدرتها على خلق فرص عمل متنوعة، تشمل:
- وظائف خدمية في الضيافة والصيانة
- وظائف متخصصة مثل الهندسة المعمارية، وإدارة المواقع التراثية، والتسويق الرقمي
- فرص ريادة أعمال، خاصة للنساء في المشاريع الصغيرة والمتوسطة
وتشير تجارب دولية، مثل جنوب ألبانيا، إلى أن السياحة يمكن أن تكون شاملة للجميع، حيث استحوذت النساء والشباب وذوو الإعاقة على أكثر من نصف الوظائف الجديدة التي أُنشئت.
المدن كبوابات للتنمية الإقليمية
تلعب المدن دورًا مزدوجًا بصفتها وجهات سياحية وبوابات إقليمية، إذ تتيح بنيتها التحتية من مطارات وخدمات نقل وتسويق رقمي سهولة الوصول إلى المناطق الريفية والطبيعية المحيطة. كما تساهم الفعاليات الكبرى – من البطولات الرياضية إلى المهرجانات الثقافية – في جذب السياح الأجانب وتوسيع نطاق الإنفاق السياحي.
وأظهرت دراسة للبنك الدولي أن زيادة الطلب السياحي بنسبة 10% في المناطق المحرومة من الخدمات في دول مثل مصر ولبنان والمغرب، يمكن أن تؤدي إلى نمو وظائف الضيافة بنسبة تتراوح بين 5% و19%، مع امتداد الأثر إلى قطاعات النقل والترفيه والخدمات المحلية.
دروس من تجارب ناجحة
تكشف التجارب العالمية عن أربعة مبادئ أساسية لتحويل السياحة الحضرية إلى أداة تنموية فعالة:
- الاستثمار الحكومي يحفّز القطاع الخاص
قادت مشاريع ترميم المواقع التاريخية في ألبانيا إلى مضاعفة النشاط السياحي وجذب استثمارات خاصة وعودة رواد أعمال مهاجرين.
- البنية التحتية السياحية تخدم السكان والزوار معًا
الحدائق العامة، والمسارات، والمرافق الثقافية التي تُنشأ للسياحة تحسن جودة الحياة اليومية للسكان المحليين.
- الحفاظ على التراث يولّد فرص عمل
أساليب البناء التقليدية والحرف اليدوية تخلق وظائف مستدامة وتحافظ على الهوية الثقافية، كما حدث في مشاريع إعادة تأهيل أحياء بيروت التاريخية.
- النهج المجتمعي يمنع التهجير
إشراك السكان في التخطيط والتنفيذ، كما في تجربة قرية بوكتشون هانوك في سيول، يعزز القبول المجتمعي ويضمن استدامة التنمية.
رؤية مستقبلية للسياحة الحضرية
من جبال عسير إلى المدينة العتيقة في تونس، ومن واجهة الإسكندرية البحرية إلى جبل القلعة في عمّان، تمتلك مدن المنطقة فرصة حقيقية للتحول إلى مراكز اقتصادية نابضة بالحياة، توفر الوظائف، وتحافظ على التراث، وتدفع عجلة النمو الإقليمي.
والسؤال لم يعد إن كانت السياحة الحضرية قادرة على إحداث هذا التحول، بل أي المدن ستبادر أولًا. فمن خلال الاستثمار الذكي في البنية التحتية، وتنمية المهارات، وبناء الشراكات، يمكن لرؤساء البلديات كتابة فصل جديد من تاريخ مدنهم، فصلٍ تصبح فيه الأسواق القديمة مساحات لريادة الأعمال، والمواقع التراثية منصات لتمكين الشباب، وكل زائر سفيرًا للمنطقة بأسرها.
المصدر: البنك الدولي