Middle East Business

سوق مكافحة الشيخوخة في الشرق الأوسط

صورة المقال

سوق مكافحة الشيخوخة في الشرق الأوسط

ما كان يُعدّ في السابق رفاهية حصرية للمشاهير وروّاد العيادات الفاخرة، تحوّل اليوم إلى قطاع اقتصادي متسارع النمو في منطقة الشرق الأوسط. لم يعد مفهوم مكافحة الشيخوخة محصورًا في تحسين المظهر، بل أصبح يتموضع عند تقاطع الجمال والرعاية الصحية والرفاهية والتنويع الاقتصادي، مع تأثير متزايد على أنماط إنفاق المستهلكين، والسياحة العلاجية، واستثمارات القطاع الخاص.

من السيرومات المتقدمة والمكملات الغذائية المصممة لدعم الصحة الخلوية، إلى البوتوكس وجراحات شد الوجه، وصولًا إلى برامج العناية بالبشرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يعكس هذا السوق تحولًا أوسع في اقتصادات المنطقة نحو قطاعات خدمية عالية القيمة تولد إيرادات متكررة، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط.

في دولة الإمارات، يُقدَّر حجم سوق مكافحة الشيخوخة بنحو 610 ملايين دولار، بحسب تقرير حديث لشركة “Ken Research”. ويعود هذا النمو إلى ارتفاع مستويات الدخل، وزيادة شريحة السكان الأكبر سنًا، وتنامي الوعي بمفهوم العناية الوقائية بالصحة والبشرة. وتتصدر دبي وأبوظبي المشهد من حيث الإنفاق، مدعومتين بانتشار العيادات المتخصصة ومتاجر التجزئة الراقية، إضافة إلى تدفقات السياحة العلاجية.

ويقول الدكتور بابك عزيز زاده، جراح تجميل الوجه في بيفرلي هيلز والرئيس المنتخب للأكاديمية الأميركية لجراحة الوجه الترميمية والتجميلية، إن الشرق الأوسط يُعد من أسرع الأسواق نموًا وأكثرها تطورًا جماليًا عالميًا، مشيرًا إلى أن المرضى في المنطقة باتوا أكثر وعيًا ودقة في اختياراتهم، مع تركيز متزايد على النتائج طويلة الأمد بدل الحلول السريعة.

قطاع اقتصادي بهوامش ربحية مرتفعة

تشير بيانات “Euromonitor International” إلى أن سوق الجمال والعناية الشخصية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاوز 46 مليار دولار، مع توقعات ببلوغه نحو 60 مليار دولار بحلول عام 2025. ويُعد قطاع مكافحة الشيخوخة – الذي يشمل مستحضرات العناية بالبشرة، والحقن التجميلية، والأجهزة الطبية، والمكملات الغذائية، والجراحات التجميلية – من أكثر القطاعات نموًا وربحية ضمن هذا المشهد.

وعلى عكس السلع الاستهلاكية الأخرى، يتميز هذا القطاع بطبيعة إنفاق متكررة؛ فالعملاء يعودون دوريًا للحقن التجميلية، ويجددون منتجات العناية بالبشرة شهريًا، ويلتحقون ببرامج طويلة الأمد للصحة والجمال، ما يجعله جذابًا للمستثمرين وصناع السياسات الباحثين عن طلب مستدام.

ويرى جان شمِتز-هوبش، الشريك في “ستراتيجي آند” التابعة لـ PwC ورئيس قسم الرعاية الصحية في الشرق الأوسط، أن المنطقة تسجل معدلات نمو تفوق المتوسطات الغربية، موضحًا أن مكافحة الشيخوخة تحولت من إجراءات سطحية إلى نهج علمي قائم على الوقاية والأداء، يجمع بين المنتجات الفاخرة والتقنيات الحديثة والإشراف الطبي.

ويتسق هذا التحول مع خطط التنويع الاقتصادي في الخليج، حيث تعتزم السعودية ضخ أكثر من 3.2 تريليون دولار بحلول 2030 لدعم قطاعات جديدة، ما يعزز الدخل المتاح والإنفاق على فئات الرفاهية الصحية والجمال.

من يقود الطلب؟

لا تزال النساء يمثلن الشريحة الأكبر من المستهلكين، إذ تنفق المرأة في دول الخليج في المتوسط 52 دولارًا شهريًا على منتجات العناية بالبشرة و63 دولارًا على مستحضرات التجميل، فيما ينفق الرجال نحو 16 دولارًا شهريًا على العناية بالبشرة، وفق بيانات “بيوتي وورلد ميدل إيست”. إلا أن إنفاق الرجال يشهد نموًا ملحوظًا، مدفوعًا باعتبارات مهنية وصورة اجتماعية أكثر اهتمامًا بالمظهر.

كما يتغير التركيب العمري للمستهلكين. فبينما يظل الأكبر سنًا الأكثر إنفاقًا على الإجراءات الجراحية والحقن، تقود الفئة العمرية بين 20 و35 عامًا النمو حاليًا، فيما يُعرف بـ “الوقاية المبكرة”. وتوضح الدكتورة ناتاليا بوبوك، مؤسسة علامة INSTYTUTUM، أن الشباب باتوا يركزون على إدارة أعمارهم البيولوجية والحفاظ على مرونة البشرة، بدل انتظار ظهور التجاعيد لمعالجتها.

نهج متكامل: من الداخل إلى الخارج

يمتد سوق مكافحة الشيخوخة عبر طيف واسع من الحلول، من الإجراءات غير الجراحية مثل البوتوكس والمواد المعدِّلة لوظائف الأعصاب، إلى الجراحات المتقدمة كشد الوجه العميق وجراحة الجفون، التي يُعاد تقديمها اليوم ضمن مفهوم “الشيخوخة الرشيقة” وجودة الحياة، لا كحلول أخيرة.

وفي قلب هذا المشهد تقف منتجات العناية بالبشرة كمحرك رئيسي للإيرادات، خصوصًا السيرومات الطبية الداعمة لإصلاح حاجز البشرة وتحفيز الكولاجين. كما تزداد شعبية المكملات الغذائية مثل الكولاجين وحمض الهيالورونيك وأوميغا-3 ومضادات الأكسدة، في إطار مفهوم “الجمال من الداخل إلى الخارج”.

الجمال المدعوم بالعلم

مع نضوج السوق، أصبح الفهم العلمي للمكونات عاملًا حاسمًا في المنافسة. فالرتينويدات لا تزال معيارًا ذهبيًا لتحفيز تجدد البشرة، مع انتشار صيغ أكثر استقرارًا وأقل تهييجًا. كما تطورت مشتقات فيتامين C لتصبح أكثر ثباتًا وفعالية، بينما تحظى الببتيدات متعددة التركيبات باهتمام لدورها في دعم الكولاجين والإيلاستين.

في المقابل، تحل أحماض التقشير اللطيفة تدريجيًا محل الأحماض القاسية، وأصبحت الحماية الشمسية واسعة الطيف عنصرًا أساسيًا في أي برنامج لمكافحة الشيخوخة. وتؤكد بوبوك أن فعالية المنتجات لا تعتمد على كثافة المكونات فحسب، بل على تناغمها وطريقة توصيلها ومدى ملاءمتها البيولوجية.

ويرى ستيوارت ميلر، مؤسس نادي Arkhe للياقة، أن مستقبل القطاع سيتجاوز المظهر ليشمل طول العمر وجودة الحياة، عبر دمج الحركة والنوم والصحة الأيضية وإدارة التوتر ضمن استراتيجية شاملة.

بين التسويق والمصداقية

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في انتشار الاتجاهات التجميلية، لكنها في الوقت ذاته قد تخلق توقعات غير واقعية. ويحذر خبراء من “جرعات التسويق”، أي استخدام مكونات رائجة بكميات رمزية لا تحقق أثرًا فعليًا.

وفي الإمارات، عززت التشريعات – مثل قرار مجلس الوزراء رقم 39 لعام 2023 – متطلبات الترخيص ومعايير السلامة، ما يدعم ثقة المستهلكين، لكنه قد يبطئ إطلاق المنتجات الجديدة.

السياحة العلاجية رافعة إضافية

أصبحت مدن مثل دبي وأبوظبي وبيروت مراكز إقليمية للسياحة العلاجية في مجال الجمال، مستقطبة مرضى من أوروبا وآسيا وأفريقيا. ويسهم هذا التدفق في تحفيز الاستثمارات في التقنيات المتقدمة ورفع معايير الخدمة، مع زيادة الحاجة إلى بروتوكولات موحدة لضمان استمرارية الرعاية.

المستقبل: تخصيص ووقاية وذكاء اصطناعي

يتجه السوق نحو ثلاث ركائز رئيسية: التخصيص، والوقاية، والدليل العلمي. فالتحول جارٍ من حلول عامة إلى برامج مصممة فرديًا، مدعومة بتشخيص البشرة بالذكاء الاصطناعي ومتابعة المؤشرات البيولوجية، وصولًا إلى ما يُعرف بـ “جوازات البشرة” التي توثق حالتها وتطورها مع الزمن.

ويخلص الخبراء إلى أن الفائزين في هذا القطاع هم من ينجحون في الجمع بين الابتكار العلمي والمصداقية التنظيمية، لتقديم حلول فعّالة ومستدامة في سوق بات يشكل أحد أبرز وجوه الاقتصاد الجديد في الشرق الأوسط.

المصدر: فوربس الشرق الأوسط

التعليقات

أضف تعليقًا