Middle East Business

السياحة العالمية تتحدى الأزمات... لكن الحرب تفرض واقعاً جديداً

صورة المقال

السياحة العالمية تتحدى الأزمات... لكن الحرب تفرض واقعاً جديداً

رغم الاضطرابات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، تواصل صناعة السياحة إثبات قدرتها على التعافي والنمو. إلا أن تقرير "اتجاهات وسياسات السياحة 2026" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يشير إلى أن القطاع يواجه اليوم تحديات جديدة، أبرزها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتغير أنماط السفر حول العالم.

السياحة تعود بقوة بعد سنوات من الأزمات

شهدت السياحة العالمية خلال السنوات الأخيرة تعافياً ملحوظاً بعد تداعيات جائحة كورونا، لتستعيد مكانتها كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي. ووفقاً للتقرير، تساهم السياحة بشكل مباشر بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما توفر 6.3% من إجمالي الوظائف وتولد ما يقارب 19.3% من صادرات الخدمات.

وتعكس هذه الأرقام قوة انتعاش القطاع رغم أنها لا تزال أقل بقليل من مستويات ما قبل الجائحة. ويؤكد التقرير أن السياحة أثبتت قدرتها على تجاوز الصدمات المتكررة، سواء كانت صحية أو اقتصادية أو سياسية، واستعادة دورها في دعم الاقتصادات الوطنية.

الحرب في الشرق الأوسط تعيد رسم خريطة السفر

ورغم هذا الأداء الإيجابي، فإن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ألقت بظلالها على حركة السفر العالمية. فقد تضررت حركة الطيران عبر مراكز النقل الجوي الرئيسية في منطقة الخليج، ما أدى إلى انخفاض عدد الرحلات التجارية مقارنة بالفترة السابقة للنزاع.

كما ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في زيادة تكاليف النقل الجوي والسفر بشكل عام، الأمر الذي انعكس على أسعار التذاكر وتكاليف تشغيل شركات الطيران والمنشآت السياحية. وأجبرت هذه الظروف العديد من الشركات على تعديل برامجها التشغيلية وتقديم خيارات أكثر مرونة للمسافرين.

ويشير التقرير إلى أن هذه التطورات أدت إلى تغيرات في تدفقات السياح، حيث شهدت بعض الوجهات انخفاضاً في أعداد الزوار، بينما استفادت وجهات أخرى من تحول المسافرين إليها باعتبارها أكثر أماناً أو سهولة في الوصول.

أكثر من تريليون دولار من عائدات السفر

على الصعيد الاقتصادي، حققت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عائدات سياحية تجاوزت 1.1 تريليون دولار خلال عام 2024، بزيادة 8.4% مقارنة بعام 2023.

وسجلت إسبانيا أكبر فائض سياحي بقيمة 73.8 مليار دولار، تلتها تركيا بـ48.9 مليار دولار، ثم اليابان بـ40.4 مليار دولار. كما كانت اليابان من أسرع الدول نمواً في إيرادات السياحة الدولية بفضل ارتفاع أعداد الزوار القادمين إليها، مدعومة بانخفاض قيمة الين الياباني وانتعاش الطلب الآسيوي.

في المقابل، كانت إسرائيل من بين أكثر الدول تضرراً، حيث تراجعت عائداتها السياحية بشكل حاد نتيجة التطورات الأمنية المرتبطة بالحرب.

أعداد السياح تتجاوز مستويات ما قبل الجائحة

سجلت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 819.5 مليون سائح دولي خلال عام 2024، بزيادة 8.1% مقارنة بالعام السابق، متجاوزة بذلك مستويات ما قبل جائحة كورونا.

واستمر النمو خلال عام 2025، وإن بوتيرة أكثر اعتدالاً، حيث ارتفعت أعداد السياح الدوليين بنسبة 3.4%. وتصدرت فنلندا واليابان وكوريا الجنوبية والنرويج قائمة الدول الأسرع نمواً في استقبال الزوار الدوليين.

في المقابل، ما تزال بعض الدول تواجه صعوبات في استعادة مستوياتها السابقة، من بينها كندا وألمانيا وأيرلندا والولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل التي لا تزال أعداد الزوار الوافدين إليها أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

السياحة الداخلية... صمام أمان للاقتصادات

أحد الدروس التي عززتها الأزمات الأخيرة هو أهمية السياحة الداخلية في دعم القطاع خلال فترات عدم اليقين. فوفقاً للتقرير، يشكل الإنفاق المحلي نحو 78% من إجمالي الإنفاق السياحي في دول المنظمة في المتوسط.

وخلال الأزمات، تساعد السياحة الداخلية في الحفاظ على استمرارية الشركات السياحية ودعم الوظائف المحلية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تشجيع مواطنيها على السفر داخل بلدانهم لتعويض تراجع السياحة الخارجية.

المسافرون يغيرون وجهاتهم بدلاً من إلغاء رحلاتهم

ويلاحظ التقرير أن غالبية المسافرين لم يتخلوا عن خطط السفر بسبب التوترات الجيوسياسية، بل قاموا بتغيير وجهاتهم أو مسارات رحلاتهم. كما أصبحت الحجوزات تتم في فترات أقصر من السابق، مع تزايد الطلب على المرونة وإمكانية تعديل المواعيد أو إلغائها.

هذا التوجه دفع العديد من الوجهات السياحية إلى البحث عن أسواق جديدة وتقليل اعتمادها على عدد محدود من الدول المصدرة للسياح أو على ممرات جوية محددة.

مستقبل واعد رغم التحديات

رغم استمرار حالة عدم اليقين، تبقى النظرة المستقبلية للقطاع إيجابية. فقد أظهر استطلاع شمل دول المنظمة وشركاءها أن أكثر من ثلاثة أرباع الدول تتوقع أداءً سياحياً أفضل خلال عام 2026 مقارنة بعام 2025.

لكن التقرير يحذر من أن المخاطر الجيوسياسية لا تزال تمثل التهديد الأكبر أمام القطاع، تليها الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار، ثم اضطرابات النقل الجوي والتباطؤ الاقتصادي في الأسواق الرئيسية.

وفي الوقت نفسه، تواجه السياحة تحدياً آخر يتمثل في مواكبة التطورات الرقمية المتسارعة، حيث بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية الحديثة في تغيير سلوك المسافرين وأساليب عمل الشركات السياحية.

قطاع أثبت مرونته

يخلص التقرير إلى أن السياحة العالمية أثبتت مرة أخرى قدرتها على التكيف مع الأزمات. ورغم تأثير الحرب في الشرق الأوسط على حركة السفر وتكاليف التشغيل، فإن الطلب على السفر ما يزال قوياً في معظم الأسواق. وبينما تواصل بعض الوجهات مواجهة تحديات كبيرة، تستفيد وجهات أخرى من التحولات الجارية في أنماط السفر العالمية.

ومع استمرار التغيرات الاقتصادية والسياسية، سيبقى نجاح القطاع مرتبطاً بقدرته على تعزيز المرونة، وتنويع الأسواق، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لضمان نمو مستدام في السنوات المقبلة.

التعليقات

أضف تعليقًا