بعد خسارة 200 ألف فرصة عمل.. هل يقود قطاع البناء التعافي الاقتصادي الفلسطيني؟
خلال أشهر قليلة فقط، فقد ما بين 150 و200 ألف عامل فلسطيني وظائفهم بعد الحرب، وارتفعت البطالة في قطاع البناء إلى 68%، بينما تراجعت القيمة المضافة للقطاع بنسبة 27% في عام 2023 قبل أن يتعمق الانكماش ليصل إلى 38% خلال 2024، وهو ما يضع قطاع البناء والإنشاءات، الذي كان تاريخياً أحد أهم محركات التشغيل للفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية وفي إسرائيل، في قلب أزمة اقتصادية حادة أعادت طرح دوره المحتمل في التعافي الاقتصادي واستيعاب جزء من العمالة المتضررة، لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالاً أعمق يتجاوز حدود القطاع نفسه حول ما إذا كان الاقتصاد الفلسطيني قادراً على تحويل هذه الصدمة إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الخارج.
"خسارة نحو 200 ألف وظيفة لم تكشف حجم الأزمة فقط، بل كشفت أيضاً هشاشة نموذج اقتصادي اعتمد طويلاً على سوق عمل خارج حدوده."
في قلب هذه الأزمة يقف قطاع البناء والإنشاءات، الذي كان تاريخياً أحد أكبر مصادر التشغيل للفلسطينيين سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو في إسرائيل. ومع الارتفاع الحاد في معدلات البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، عاد الحديث مجدداً حول قدرة هذا القطاع على لعب دور محوري في التعافي الاقتصادي واستيعاب جزء من العمالة التي فقدت مصدر دخلها. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان قطاع البناء قادراً على المساهمة في التعافي فحسب، بل ما إذا كان الاقتصاد الفلسطيني مستعداً لتحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الخارج.
قطاع البناء.. من محرك للتشغيل إلى ضحية للأزمة
لا تقتصر أهمية قطاع البناء على تشييد المساكن والمباني والمنشآت، بل تمتد إلى دوره المحوري في تحريك عشرات الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، من الصناعات الإنشائية والنقل والخدمات الهندسية إلى التمويل والتأمين والتجارة. ولذلك غالباً ما يُنظر إليه باعتباره أحد القطاعات القادرة على خلق أثر اقتصادي مضاعف يتجاوز حدوده المباشرة.
غير أن هذه المكانة لم تحمِ القطاع من واحدة من أصعب الأزمات التي واجهها منذ عقود. فقد ارتفعت البطالة بين العاملين فيه من نحو 15% إلى 68%، فيما تراجعت القيمة المضافة للقطاع بنسبة 27% خلال عام 2023، قبل أن تتعمق الخسائر بانكماش إضافي بلغ 38% في عام 2024.
لكن اختزال هذه الأزمة في تداعيات الحرب وحدها سيكون قراءة ناقصة للمشهد. فالتطورات الأخيرة أظهرت حجم الاختلالات الهيكلية التي تراكمت على مدى سنوات طويلة. إذ اعتمد الاقتصاد الفلسطيني بصورة متزايدة على سوق العمل الإسرائيلي كصمام أمان لتخفيف البطالة وتحسين مستويات الدخل، ما جعل أي تغير سياسي أو أمني قادراً على إحداث صدمة واسعة النطاق في سوق العمل الفلسطيني.
لقد وفّر العمل في إسرائيل دخلاً أعلى وفرصاً أكبر لآلاف العمال، لكنه في الوقت نفسه حدّ من الضغوط اللازمة لتطوير قطاعات إنتاجية محلية قادرة على استيعاب القوة العاملة الفلسطينية. وعندما توقفت هذه القناة بشكل مفاجئ، ظهر حجم الفجوة بين احتياجات سوق العمل وقدرة الاقتصاد المحلي على توفير البدائل.
لماذا لا يكفي الطلب وحده لإعادة القطاع إلى النمو؟
أزمة تمويل واستثمار قبل أن تكون أزمة إسكان
قد يبدو للوهلة الأولى أن قطاع البناء يمتلك فرصاً واسعة للنمو، خاصة في ظل الحاجة المستمرة إلى المساكن والبنية التحتية والمرافق العامة. لكن المشكلة لا تكمن في وجود الحاجة، بل في القدرة على تحويل هذه الحاجة إلى استثمارات ومشاريع فعلية.
فارتفاع تكاليف البناء، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وتشدد شروط التمويل، كلها عوامل أدت إلى إضعاف الطلب الفعلي في السوق العقارية. وبعبارة أخرى، فإن الطلب موجود نظرياً، لكنه لا يملك القوة الشرائية الكافية لتحريك عجلة الاستثمار بالوتيرة المطلوبة.
في الوقت ذاته، تواجه السلطة الفلسطينية ضغوطاً مالية متزايدة تحد من قدرتها على إطلاق مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق يمكن أن تشكل رافعة للتشغيل والنمو. كما يواجه المقاولون والمطورون العقاريون تحديات مرتبطة بالسيولة وارتفاع المخاطر الاقتصادية، ما يدفع الكثير منهم إلى تأجيل مشاريع جديدة أو تقليص استثماراتهم.
فجوة المهارات وتحديات التحول
التحدي الآخر يتعلق بطبيعة سوق العمل نفسه. فجزء كبير من العمال الذين فقدوا وظائفهم يمتلك خبرات مهنية مرتبطة بأعمال البناء التقليدية، في وقت يشهد فيه قطاع الإنشاءات عالمياً تحولاً متسارعاً نحو تقنيات أكثر تطوراً تعتمد على الرقمنة والبناء الذكي والكفاءة البيئية.
وهذا يعني أن معالجة أزمة البطالة لا تقتصر على توفير مشاريع جديدة فقط، بل تتطلب أيضاً الاستثمار في التدريب المهني وإعادة تأهيل العمالة بما يتناسب مع احتياجات السوق المستقبلية. فكلما ارتفعت إنتاجية العامل الفلسطيني وتنوعت مهاراته، زادت قدرة القطاع على استيعابه وتحويله إلى عنصر فاعل في عملية النمو.
ما بعد الأزمة.. فرصة لإعادة بناء الاقتصاد
إذا كان قطاع البناء مرشحاً للعب دور محوري في التعافي الاقتصادي، فإن ذلك يتطلب رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة أو التدخلات المرحلية قصيرة الأجل.
أول هذه الشروط يتمثل في إطلاق برامج استثمارية واسعة في مشاريع الإسكان والبنية التحتية، خصوصاً في قطاعات المياه والطاقة والطرق والنقل العام، لما توفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وثانيها تعزيز دور القطاع المصرفي والمؤسسات التمويلية عبر تطوير أدوات تمويل وضمانات ائتمانية تشجع المستثمرين والمطورين العقاريين على توسيع نشاطهم رغم حالة عدم اليقين.
أما الشرط الثالث فيتعلق بتطوير رأس المال البشري من خلال برامج تدريب وتأهيل تستجيب للتحولات التقنية التي يشهدها قطاع الإنشاءات عالمياً، بما يرفع كفاءة العمالة المحلية ويعزز تنافسيتها.
كذلك لا يمكن تجاهل أهمية دعم الصناعات المرتبطة بالبناء وتشجيع إنتاج مواد البناء محلياً كلما أمكن ذلك، لما يحققه من تقليل للاعتماد على الواردات وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
ومع ذلك، فإن التعويل على قطاع البناء وحده لمعالجة أزمة البطالة سيكون رهاناً غير واقعي. فالاقتصاد الفلسطيني يحتاج بالتوازي إلى تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، لضمان توزيع أكثر توازناً لفرص العمل ومصادر النمو.
ما بعد الأزمة.. فرصة لإعادة بناء الاقتصاد
قد لا يكون قطاع البناء قادراً على استيعاب جميع العمال الذين فقدوا وظائفهم في المدى القريب، لكن الأزمة الحالية تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني نفسه.
فالدرس الأبرز الذي كشفت عنه الأحداث الأخيرة هو أن الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على مصادر دخل أو أسواق عمل خارجية تصبح أكثر عرضة للصدمات وأقل قدرة على التحكم بمسارها التنموي. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إعادة تشغيل العمال الذين فقدوا وظائفهم، بل في بناء اقتصاد أكثر قدرة على خلق فرص العمل من داخله وأكثر اعتماداً على الاستثمار والإنتاج المحليين. "قد يكون قطاع البناء جزءاً من الحل، لكنه لن يكون الحل الكامل، فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاقتصاد الفلسطيني قادراً على خلق فرص العمل داخل حدوده، لا البحث عنها خارجها."
المصدر: معهد ماس، تقرير حول قطاع الإنشاءات في الضفة الغربية واستيعاب العمالة الفلسطينية بعد الحرب، إعداد: حبيب حن