Middle East Business

رأس المال البشري: نهج جديد لمواجهة تراجع المهارات

صورة المقال

رأس المال البشري: نهج جديد لمواجهة تراجع المهارات

يُعدّ رأس المال البشري، الذي يتجسد في صحة الأفراد ومهاراتهم ومعارفهم، الثروة الأثمن لأي مجتمع، والركيزة الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتقليص الفقر، وتعزيز الازدهار المشترك. إذ لم تتمكن أي دولة من تحقيق تنمية مستمرة دون استثمار حقيقي في هذا المورد الحيوي. ومع ذلك، تكشف الاتجاهات العالمية الراهنة عن حالة من الركود المقلق، بل وحتى التراجع في مؤشرات رأس المال البشري في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل؛ حيث يواجه أطفال اليوم تحديات أكبر في القراءة الاستيعابية أو حل المسائل الحسابية الأساسية مقارنة بأقرانهم قبل خمسة عشر عاماً. كما تراجع متوسط طول البالغين — باعتباره مؤشراً مهماً لصحة السكان — في عدة مناطق، في حين لا يزال أغلب العمال في تلك الدول عالقين في وظائف تفتقر إلى التدريب المنهجي أو فرص التعلم المهني.

وتتفاقم هذه الأزمة بصورة أوضح لدى النساء والشباب؛ إذ لا تتجاوز نسبة النساء في العمل المأجور 40%، بينما يعاني واحد من كل خمسة شباب من البطالة أو الانقطاع عن التعليم. وتكمن خطورة هذه المؤشرات في أن الفجوات في رأس المال البشري تفسر ما يقارب ثلثي التفاوت في نصيب الفرد من الدخل بين الدول الغنية والفقيرة. ويرى التقرير أن عكس هذه الاتجاهات يتطلب إعادة نظر جذرية في كيفية تصميم وتنفيذ سياسات رأس المال البشري؛ فعلى الرغم من أهمية النهج التقليدي الذي يركز على تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية في مراحل عمرية محددة، إلا أنه لم يعد كافياً بمفرده. فبناء رأس المال البشري لا يقتصر على الأنظمة المؤسسية، بل يتشكل ضمن "بيئات" متعددة، أبرزها المنازل، والأحياء، وأماكن العمل، حيث تسهم القرارات اليومية والتفاعلات والفرص المتاحة في رسم ملامح النتائج المستقبلية بمرور الزمن.

ويطرح التقرير ملاحظة أساسية قد لا تحظى بالاهتمام الكافي: رأس المال البشري لا يتكون داخل قطاعات منفصلة أو مراحل عمرية محددة فقط، بل يتراكم تدريجياً وبشكل غير متكافئ، وغالباً بصورة غير مرئية، داخل "الأماكن". ففي المنازل، تؤسس التغذية السليمة والرعاية والتحفيز المبكر لمسارات الحياة؛ وفي الأحياء، تحدد جودة التعليم والخدمات الصحية والبنية التحتية ومستويات الأمان ما يمكن أن يحققه الأفراد؛ أما في أماكن العمل، فإما أن تُنمّى المهارات أو تُهدر، حيث يمكن للتعلم بالممارسة أن يعزز الإنتاجية أو يُبقي العمال في أنشطة منخفضة العائد.

ومن خلال اعتماد منظور قائم على "البيئات"، يكمّل هذا التقرير المناهج القطاعية والزمنية، مقدماً إطاراً متكاملاً يوضح كيف يمكن للقيود في بيئة معينة أن تُضعف الاستثمارات في بيئة أخرى، وكيف يمكن للتكامل بين المنزل والحي ومكان العمل أن يحقق عوائد اقتصادية أكبر بكثير. كما يبرز الأدوار الحيوية لكل من القطاعين العام والخاص، ويؤكد أهمية مواءمة التمويل والحوافز والمؤسسات لدعم تراكم رأس المال البشري حيثما يحدث فعلياً. وفي ظل التحديات المتداخلة التي تواجه الدول، من التحولات الديموغرافية والتطور التكنولوجي المتسارع إلى الصدمات المناخية، لم يعد الاستثمار الفعّال في البشر خياراً، بل ضرورة أساسية. ويقدم التقرير رؤى عملية وأولويات سياسية لمساعدة الدول على الانتقال من التدخلات المجزأة إلى استراتيجيات متكاملة تتمحور حول الإنسان، بهدف استعادة مسار التقدم وتوسيع الفرص لمن حُرموا منها طويلاً.

وفي ظل تسارع التحديات الديموغرافية والتقنية عالمياً، أطلق البنك الدولي تقريره الرئيسي لعام 2026 بعنوان "بناء رأس المال البشري حيثما يكون أكثر أهمية: المنازل، الأحياء، وأماكن العمل". وينطلق التقرير من فكرة محورية مفادها أن رأس المال البشري — المتمثل في صحة الأفراد ومهاراتهم ومعارفهم — هو الأصل الأكثر قيمة لأي مجتمع، والأساس الذي يقوم عليه النمو الاقتصادي، والحد من الفقر، وتحقيق الازدهار المشترك.

واقع مقلق: مكاسب مهددة
يحذر التقرير من أن التقدم العالمي في تراكم رأس المال البشري بدأ يفقد زخمه، بل ويتراجع في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وتشير البيانات إلى أن أطفال اليوم أقل قدرة على الفهم القرائي أو حل المسائل الحسابية الأساسية مقارنة بأقرانهم قبل خمسة عشر عاماً. كما سُجل انخفاض في متوسط طول البالغين — وهو مؤشر مهم على صحة السكان — في عدد من المناطق. ويؤكد التقرير أن نحو ثلثي الفجوة في نصيب الفرد من الدخل بين الدول الغنية والفقيرة يعود إلى الاختلافات في رأس المال البشري، ما يجعل الاستثمار فيه ضرورة حتمية لا خياراً ثانوياً.

نهج "البيئات": أين يتشكل الإنسان فعلياً؟
يرى البنك الدولي أن السياسات التي تركز حصراً على تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية التقليدية لم تعد كافية. فبناء رأس المال البشري لا يحدث داخل قطاعات منفصلة أو مراحل عمرية بعينها فقط، بل يتكون تدريجياً، وبشكل غير متكافئ، وغالباً بشكل غير مرئي، داخل "الأماكن" التي يعيش فيها الناس يومياً:

المنازل: حيث تؤسس التغذية السليمة والرعاية والتحفيز الذهني المبكر لمسارات الحياة. وأي خلل في هذه المرحلة المبكرة يترك فجوات يصعب تعويضها لاحقاً.

الأحياء: تؤثر جودة المدارس، والخدمات الصحية، والبنية التحتية، ومستويات الأمان، والأعراف الاجتماعية بشكل مباشر على فرص الأفراد. وقد تؤدي القيود في البيئة المحلية، مثل التلوث أو انعدام الأمن، إلى إضعاف أثر أفضل الاستثمارات التعليمية.

أماكن العمل: تمثل البيئة التي تُطوّر فيها المهارات أو تُهدر. ففي العديد من الدول النامية، يظل العمال، وخاصة النساء والشباب، محصورين في وظائف تفتقر إلى التدريب الرسمي؛ إذ تبلغ نسبة النساء في العمل المأجور 40% فقط، بينما يعاني واحد من كل خمسة شباب من البطالة أو الخروج من التعليم والعمل.

تكامل السياسات لتحقيق عوائد أكبر
يقدم التقرير إطاراً متكاملاً يوضح كيف يمكن للتنسيق بين هذه البيئات الثلاث أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة. فبدلاً من السياسات المتفرقة، يدعو التقرير الحكومات والشركاء والقطاع الخاص إلى مواءمة الموارد والحوافز لدعم تنمية المهارات حيثما تتشكل فعلياً.

خاتمة: خريطة طريق نحو المستقبل
إن الاستثمار في رأس المال البشري اليوم يمثل الضمان الأهم لمواجهة التحديات المستقبلية، بما في ذلك التغير المناخي والتحولات التكنولوجية المتسارعة. ويسعى هذا التقرير إلى تزويد الحكومات برؤى عملية وأولويات سياسية للانتقال نحو استراتيجيات تضع الإنسان في صميمها، بهدف استعادة التقدم المتعثر وتوسيع الفرص أمام الفئات التي طال تهميشها، بما يضمن إطلاق كامل إمكانات المجتمعات في كل مكان.

لقراءة التقرير كاملاً: https://middleeast-business.com/Reports/Building%20Human%20Capital%20When%20It%20Matters_%20Homes,%20Neighborhoods,%20and%20Workplaces.pdf

 

التعليقات

أضف تعليقًا