Middle East Business

من يربح المليارات في كأس العالم؟

صورة المقال

من يربح المليارات في كأس العالم؟

عندما يطلق الحكم صافرة البداية لمباريات كأس العالم، تتوقف أنفاس ملايين المشجعين خلف الشاشات وفي المدرجات ترقباً لمسار الكرة. لكن خلف هذا الصخب العاطفي والدراما الكروية، تدور في الغرف المغلقة والشاشات الرقمية مباراة من نوع آخر؛ مباراة لا تُحسب بالأهداف، بل بمليارات الدولارات، وحقوق البث، وعوائد السياحة، وتكلفة دافعي الضرائب.

في العصر الحديث، تحول كأس العالم من مجرد بطولة رياضية تجمع الشعوب إلى "إعصار اقتصادي" جارف، ومحرك جبار للاقتصاد الكلي. ومع توسع البطولة لتضم 48 منتخباً وتلعب عبر قارة بأكملها (الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك)، بلغت التوقعات المالية مستويات فلكية؛ تشير التقديرات الرسمية إلى أن الأثر الاقتصادي الإجمالي المرتبط بالبطولة يلامس حاجز 80 مليار دولار، مع مساهمة تزيد عن 40 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ومع ذلك، يظل السؤال الأزلي الذي يثير جدلاً صاخباً بين أساتذة الاقتصاد الكلي وصناع السياسات: من هو الرابح الحقيقي من هذه المليارات؟ هل هي الدول المستضيفة وشعوبها، أم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) هو الصياد الذكي الذي يغادر بالغنيمة دائماً؟

الفيفا: "الشركة" العابرة للقارات التي لا تخسر أبداً

إذا أردنا تعريف الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بلغة المال، فهو أقرب إلى شركة احتكارية عابرة للقارات تصدر منتجاً واحداً عالي القيمة كل أربع سنوات. بالنسبة للفيفا، دورة كأس العالم الحالية هي الأكثر ربحية في تاريخها؛ حيث يُتوقع أن تتجاوز إيرادات الاتحاد حاجز 13 مليار دولار.

تتدفق هذه الأموال عبر قنوات استثمارية مضمونة ومحمية قانونياً:

  • حقوق البث التلفزيوني والرقمي: والتي تساهم بحصة الأسد بأكثر من 3.9 مليارات دولار.
  • عقود الرعاية العالمية: حيث تتسابق الشركات متعددة الجنسيات لضخ ما يقارب 2.8 مليار دولار للارتباط بالحدث.
  • مبيعات التذاكر وباقات الضيافة: والتي تضمن تدفقات نقدية مباشرة بمليارات الدولارات.

الميزة الاستثنائية التي تتمتع بها الفيفا هي أنها لا تتحمل مخاطر البناء أو البنية التحتية. علاوة على ذلك، تشترط الفيفا على الدول المضيفة إعفاءات ضريبية كاملة على أرباحها، مما يعني أن المليارات التي تجنيها تعود بالكامل إلى ميزانيتها العمومية، لتُعاد صياغتها كـ "أرباح صافية" تُوزع على الاتحادات الأعضاء، دون أن تدفع سنتاً واحداً للضرائب المحلية في المدن المستضيفة.

الدول المضيفة: معضلة "الإنفاق الضخم" وفخ الأفيال البيضاء

على الجانب الآخر من المعادلة، تقف الحكومات المستضيفة. لعقود طويلة، بيعت فكرة استضافة كأس العالم على أنها تذكرة ذهبية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتنشيط السياحة، وتحديث البنية التحتية. لكن الواقع الاقتصادي الاستقصائي يروي قصة أكثر تعقيداً؛ فالكثير من الدول وجدت نفسها غارقة في الديون بعد رحيل آخر مشجع.

تاريخياً، يخشى الاقتصاديون ما يُعرف بفخ "الأفيال البيضاء" (White Elephants)؛ وهي تلك الملاعب الضخمة والمنشآت الفاخرة التي تُبنى بمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب لاستخدامها لعدة أسابيع فقط، ثم تتحول بعد البطولة إلى عبء مالي ضخم يتطلب ملايين الدولارات سنوياً للصيانة دون تحقيق أي عائد، تماماً كما حدث في ملاعب البرازيل وجنوب أفريقيا سابقاً.

لكن النموذج الحالي المشترك يقدّم تكتيكاً مختلفاً قد يغير قواعد اللعبة الاقتصادية؛ فمن خلال الاعتماد على ملاعب قائمة بالفعل (مثل ملاعب الرغبي والكرة الأمريكية)، نجحت الدول المستضيفة في خفض كلفة بناء الملاعب الجديدة إلى الصفر تقريباً. ورغم ذلك، تظل التكاليف التشغيلية (الأمن، اللوجستيات، إدارة الحشود، والتنظيم المحلي) ضخمة للغاية وتتحملها الحكومات المحلية والبلديات من ميزانياتها العامة.

الرقمية والمراهنات: المحركات الخفية للاقتصاد الموازي

لم يعد اقتصاد كأس العالم محصوراً بالمدرجات وحانات المشاهدة؛ فقد دخلت التكنولوجيا كلاعب محوري يعيد توزيع الحصص المالية عالمياً.

أولاً، هناك ثورة البث الرقمي (Streaming Platforms) والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد البث حكراً على القنوات التلفزيونية التقليدية، بل دخلت منصات التكنولوجيا الكبرى (مثل Apple وAmazon ونتفليكس) لانتزاع حصص بث رقمية تتيح لها توجيه إعلانات ذكية ومخصصة لكل مستخدم بناءً على سلوكه الشرطي، مما يولد قيمة إعلانية غير مسبوقة خارج الأطر التقليدية للرعاية.

ثانياً، يبرز الجانب الأكثر شراسة: المراهنات الرياضية القانونية (Sports Betting). مع تقنين المراهنات في العديد من الولايات الأمريكية والدول الأوروبية، تحول كأس العالم إلى موسم الحصاد الأكبر لشركات التكنولوجيا المالية والمراهنات المقننة، حيث تتدفق مئات المليارات من الدولارات عبر التطبيقات الذكية خلال أسابيع البطولة، مما يخلق اقتصاداً موازياً يضخ أرباحاً هائلة لشركات التقنية وحصائل ضريبية لبعض الحكومات، بعيداً تماماً عن خزائن الفيفا.

الأثر القصير المدى وظاهرة "الإزاحة"

على المدى القصير، يعمل كأس العالم بمثابة "حقنة أدرينالين" في شرايين قطاعات معينة؛ حيث تشهد الفنادق والمطاعم وشركات الطيران طفرة غير مسبوقة نتيجة تدفق ملايين الزوار (يُتوقع أن يضخ سياح المونديال ما يزيد عن 7.5 مليار دولار كإنفاق مباشر). كما تسهم الاستضافة في خلق مئات الآلاف من الوظائف المؤقتة ُقدر بنحو 824ألف وظيفة عالمياً.

لكن علماء الاقتصاد السلوكي يذكروننا دائماً بظاهرة "الإزاحة" (Displacement Effect)؛ فبينما تمتلئ الفنادق بالمشجعين، يتجنب السياح التقليديون ورجال الأعمال تلك المدن خلال فترة البطولة بسبب الازدحام الشديد وارتفاع الأسعار الجنوني، مما يعني أن بعض القطاعات قد تخسر زبائنها الدائمين لصالح زوار مؤقتين.

الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية (ESG): الجانب المظلم لسلاسل الإمداد

خلف بهجة الملاعب والمصانع التي تنتج ملايين القمصان الرياضية والكرات، تثار دائماً التساؤلات حول سلاسل الإمداد والعمالة في الدول الناشئة. الكلفة الإنسانية والبيئية لتصنيع هذه السلع السريعة الاستهلاك تحت الضغط الزمني للبطولة تضع الشركات الراعية والاتحادات أمام معضلة أخلاقية وتنظيمية متزايدة، مما يجعل "الاستدامة الأخلاقية" بنداً حاسماً في حسابات الجدوى الاقتصادية الحديثة لأي حدث رياضي كوكبي.

القوة الناعمة: العائد الذي لا تشتريه الأموال

إذا كانت الأرقام المباشرة لا تضمن دائماً ربحاً مالياً صافياً للحكومات، فلماذا تستميت الدول للاستضافة؟

الإجابة تكمن في "الاقتصاد غير الملموس" أو ما يُعرف بـ القوة الناعمة (Soft Power) والتسويق الدولي. استضافة حدث بهذا الحجم يضع الدولة في بؤرة الاهتمام العالمي لأسابيع، ويعيد تموضعها كوجهة سياحية واستثمارية آمنة ومتطورة لسنوات قادمة، فضلاً عن رفع "رأس المال النفسي والاجتماعي" للشعوب عبر تعزيز الفخر الوطني والشعور بالبهجة المجتمعية.

الحسابات الختامية للمقبل من الأيام

كأس العالم في الاقتصاد الحديث ليس مجرد مهرجان رياضي، بل هو صفقة تجارية معقدة وعالية المخاطر. الفيفا هي الشريك النرجسي الذي يربح دائماً بالمليارات المضمونة والمعفاة من الضرائب.

أما بالنسبة للدول، فإن النجاح الاقتصادي لم يعد يُقاس بحجم الإنفاق الإبهاري، بل بـ "ذكاء الاستدامة"؛ أي القدرة على دمج البطولة في رؤية اقتصادية طويلة الأمد تحول الحدث العابر إلى أصل دائم، وتضمن ألا يدفع المشجعون ودافعو الضرائب الثمن من جيوبهم لسنوات طويلة بعد أن تنطفئ أضواء الملاعب.

المقال مستند إلى الميزانيات التقديرية الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، والتقارير التحليلية لمؤسسات الاستشارات المادية الكبرى (مثل Deloitte وPwC) المتعلقة بالأثر الاقتصادي الكلي للبطولات الرياضية لعام 2026.

التعليقات

أضف تعليقًا