ميتا تسرّح 8 آلاف موظف في سباق الذكاء الاصطناعي
استثمارات بمئات المليارات في الذكاء الاصطناعي تقود أكبر موجات إعادة الهيكلة داخل شركات التكنولوجيا
بدأت شركة “ميتا بلاتفورمز”، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، تنفيذ خطة واسعة لتسريح نحو 8 آلاف موظف حول العالم، في خطوة تعكس التحول المتسارع داخل قطاع التكنولوجيا نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة. وبينما تؤكد الشركة أن هذه الإجراءات تهدف إلى رفع الكفاءة وخفض التكاليف، تتزايد المخاوف بشأن التأثيرات النفسية والإنتاجية على الموظفين، في وقت تضخ فيه ميتا استثمارات غير مسبوقة تتجاوز 100 مليار دولار في سباق الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الموجة الجديدة من التخفيضات الوظيفية ضمن إعادة هيكلة شاملة تشهدها كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل تحول إلى محور استراتيجي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والهيكل الإداري داخل المؤسسات.
تسريحات عالمية تبدأ من آسيا
أبلغت ميتا موظفيها بقرارات التسريح على مراحل بدأت من آسيا، ثم امتدت إلى الولايات المتحدة وأوروبا ومناطق أخرى، مع تركيز واضح على فرق الهندسة وتطوير المنتجات.
وبحسب مذكرة داخلية اطلعت عليها وكالة “بلومبرغ”، أكد الرئيس التنفيذي للشركة أن الإدارة لا تتوقع تنفيذ موجات تسريح واسعة إضافية خلال العام الحالي، مشيرًا في الوقت نفسه إلى ضرورة تحسين التواصل الداخلي مع الموظفين.
ووصف المرحلة الحالية بأنها “الأكثر ديناميكية” في تاريخ صناعة التكنولوجيا، معربًا عن تفاؤله بقدرة الشركة على المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي وتطوير ما وصفه بـ”الذكاء الاصطناعي الفائق”.
وتشير بيانات الشركة إلى أن عدد موظفي ميتا كان يقترب من 80 ألف موظف حتى نهاية مارس الماضي، قبل بدء إعادة توزيع العاملين وعمليات التسريح الجديدة.
إعادة هيكلة شاملة لصالح الذكاء الاصطناعي
لا تنفصل قرارات التسريح عن استراتيجية ميتا الجديدة التي تركز بشكل شبه كامل على الذكاء الاصطناعي. فقد أعادت الشركة مؤخرًا توزيع نحو 7 آلاف موظف على فرق متخصصة في مشاريع الذكاء الاصطناعي، تشمل تطوير المنتجات والوكلاء الرقميين والبنية التحتية التقنية.
وتخطط الشركة لإنفاق أكثر من 100 مليار دولار هذا العام على مشاريع الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تصل النفقات الرأسمالية الإجمالية إلى نحو 145 مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات الأخرى التي قد تُضخ في البنية التحتية التقنية قبل نهاية العقد الحالي.
وترى إدارة الشركة أن الهيكل التنظيمي الجديد القائم على فرق أصغر وأكثر مرونة سيؤدي إلى تسريع اتخاذ القرار ورفع الإنتاجية، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في البرمجة وإدارة العمليات اليومية.
لكن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع داخل الشركة، إذ تزايدت المخاوف بين الموظفين من أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى بديل مباشر للوظائف البشرية، خاصة في الأقسام التقنية والإدارية.
قلق داخلي واعتراضات الموظفين
أثارت التحركات الأخيرة حالة من القلق داخل ميتا، لا سيما مع توسع الشركة في استخدام تقنيات تتبع الأداء والاعتماد على أدوات ذكية لتحليل أنشطة الموظفين.
وفي أيرلندا وحدها، شملت التخفيضات نحو 350 وظيفة، أي ما يقارب خُمس القوى العاملة للشركة هناك، وفق تقارير مطلعة.
كما وقع أكثر من ألف موظف على عريضة داخلية تطالب الإدارة بعدم جمع بيانات تفصيلية من أجهزتهم الشخصية والمهنية، مثل حركة الفأرة وضغطات لوحة المفاتيح ومحتوى الشاشات، والتي تُستخدم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحليل الأداء.
وتعكس هذه الاعتراضات تصاعد المخاوف من توسع أدوات المراقبة الرقمية داخل بيئات العمل الحديثة، خصوصًا مع سعي الشركات إلى تحسين الكفاءة وقياس الإنتاجية بشكل أكثر دقة.
“الناجون من التسريح” ... خسائر غير مرئية
ورغم أن قرارات التسريح تُقدَّم غالبًا كوسيلة لخفض النفقات وتحسين الأداء المالي، فإن دراسات حديثة تشير إلى أن تأثيراتها السلبية قد تمتد إلى الموظفين الذين يحتفظون بوظائفهم.
فبحسب تقديرات حديثة، يمكن أن تخسر الشركات أكثر من 50 ألف دولار شهريًا من الإنتاجية لكل 100 موظف يبقون بعد موجات التسريح، نتيجة الضغط النفسي والتوتر وفقدان الشعور بالأمان الوظيفي.
وتشير الأبحاث إلى أن الموظفين الذين يشهدون تسريح زملائهم يصبحون أقل تركيزًا على الجودة وأكثر عرضة للإرهاق وتراجع الأداء، ما يؤدي إلى زيادة الأخطاء وضعف الابتكار وتراجع الكفاءة التشغيلية.
وفي هذا السياق، أجرت شركة “أكتيف تراك” المتخصصة في مراقبة نشاط الموظفين دراسة على سبع شركات نفذت عمليات تسريح بين عامي 2022 و2024، وكشفت النتائج أن الوقت الإنتاجي للموظف الواحد انخفض بمعدل ساعة يوميًا بعد التسريحات، أي ما يعادل نحو 18 ساعة شهريًا.
وتعتمد الشركة في قياس الإنتاجية على تتبع استخدام التطبيقات والمواقع المرتبطة بالعمل، إضافة إلى تحليل جداول الاجتماعات وساعات النشاط المهني، دون مراقبة المحتوى الشخصي أو الكاميرات.
وتسلط هذه النتائج الضوء على ما يسميه خبراء الإدارة ب ـ”متلازمة الناجين”، حيث يتحول الموظفون الباقون إلى حالة من القلق المزمن والترقب، ما ينعكس مباشرة على الأداء والإبداع.
وفورات محدودة أمام إنفاق ضخم
ورغم حجم التسريحات، يرى محللون أن الوفورات المالية الناتجة عنها تبقى محدودة مقارنة بحجم استثمارات ميتا العملاقة في الذكاء الاصطناعي.
فقدرت مؤسسة “إيفركور” المالية أن التخفيضات الوظيفية قد توفر للشركة نحو 3 مليارات دولار فقط، وهو رقم متواضع نسبيًا أمام خطط الإنفاق التي تتجاوز 145 مليار دولار هذا العام وحده.
ويشير محللون إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى أصبحت تعتبر الذكاء الاصطناعي استثمارًا وجوديًا لا يمكن التراجع عنه، حتى لو تطلب ذلك إعادة هيكلة واسعة وتقليصًا للوظائف التقليدية.
وفي السنوات الأخيرة، شهد القطاع موجات متكررة من التسريحات في شركات كبرى مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت وتسلا، ضمن مساعٍ مشتركة لإعادة توجيه الموارد نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
سباق عالمي يعيد تشكيل سوق العمل
تعكس تحركات ميتا تحولًا أوسع داخل الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث أصبحت الشركات تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الذكية لتقليل التكاليف ورفع الكفاءة وتسريع الإنتاج.
لكن هذا التحول يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل الوظائف التقليدية، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة داخل بيئات العمل الحديثة.
ويرى خبراء أن السنوات المقبلة قد تشهد إعادة تعريف كاملة للمهارات المطلوبة في سوق العمل، مع تراجع الطلب على بعض الوظائف الروتينية مقابل زيادة الحاجة إلى المهارات المرتبطة بإدارة الأنظمة الذكية وتحليل البيانات والابتكار التقني.
وفي الختام، تكشف موجة التسريحات الجديدة في ميتا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية داعمة، بل أصبح عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل هياكل الشركات وأسواق العمل عالميًا. وبينما تراهن شركات التكنولوجيا على الأتمتة لتحقيق الكفاءة والنمو، يبقى التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين التطور التقني والحفاظ على الاستقرار الوظيفي والإنتاجية البشرية داخل بيئات العمل المستقبلية.