الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع الثروة العالمية... هل تلحق المدن العربية بالركب؟
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الثروة العالمية... والمدن العربية تبحث عن موقعها في اقتصاد المستقبل
قبل سنوات قليلة، كانت المنافسة الاقتصادية بين الدول تُقاس بحجم المصانع، واحتياطيات النفط، وقوة التجارة التقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت معايير القوة مختلفة تماماً. فالشركات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع بمليارات الدولارات باتت من أهم المؤشرات التي تحدد موقع الدول والمدن في الاقتصاد العالمي.
هذا التحول ترصده بوضوح نتائج تقرير النظام البيئي العالمي للشركات الناشئة 2025 (GSER 2025) الصادر عن مؤسسة Startup Genome، والذي يقدم صورة شاملة عن واقع اقتصاد الابتكار في العالم، مستنداً إلى تحليل بيانات أكثر من 5 ملايين شركة ناشئة موزعة على أكثر من 350 منظومة ريادية عالمية في أكثر من 65 دولة.
ويكشف التقرير أن العالم لا يشهد مجرد طفرة تقنية جديدة، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل اقتصادية تقودها التكنولوجيا المتقدمة، فيما تتسابق المدن الكبرى لاستقطاب الاستثمارات والمواهب والشركات الناشئة التي ستقود النمو خلال العقود المقبلة.
الذكاء الاصطناعي... الاقتصاد الجديد
للمرة الأولى منذ سنوات، لا تتركز أنظار المستثمرين على التجارة الإلكترونية أو تطبيقات الهواتف الذكية، بل على شركات الذكاء الاصطناعي القادرة على تطوير حلول تغير طريقة العمل والإنتاج واتخاذ القرار.
ويشير التقرير إلى أن الاستثمارات في شركات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة ارتفعت بنسبة 33% خلال عام واحد، لتستحوذ على نحو 40% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء عالمياً، مقارنة بـ26% فقط قبل سنوات قليلة.
هذا التحول لا يعكس مجرد توجه استثماري مؤقت، بل يؤشر إلى انتقال الاقتصاد العالمي نحو مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات والبيانات محركاً رئيسياً للإنتاجية والنمو وخلق الثروة.
وبالنسبة للشركات والحكومات، فإن الرسالة واضحة: من لا يستثمر في الذكاء الاصطناعي اليوم، قد يجد نفسه خارج المنافسة الاقتصادية غداً.
تراجع عالمي رغم طفرة التكنولوجيا
ورغم الزخم الكبير الذي يشهده قطاع التكنولوجيا، فإن التقرير يرصد جانباً آخر من الصورة يتمثل في تباطؤ النشاط الاستثماري مقارنة بسنوات الازدهار السابقة.
فقد انخفضت القيمة الإجمالية لعمليات بيع الشركات الناشئة أو إدراجها في الأسواق المالية بنسبة 4% مقارنة بعام 2023، كما تراجع عدد هذه العمليات بنسبة 9%، في حين انخفضت الصفقات الكبرى التي تتجاوز قيمتها 50 مليون دولار بنسبة وصلت إلى 31% في أكبر المنظومات الريادية العالمية.
ويرجع ذلك إلى حالة الحذر التي تسود الأسواق العالمية بعد موجة التقييمات المرتفعة التي شهدتها شركات التكنولوجيا خلال الأعوام الماضية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التمويل وتقلبات الاقتصاد العالمي.
لكن اللافت أن هذا التراجع لم يوقف الاستثمار في الابتكار، بل دفع المستثمرين إلى التركيز على القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم الحياة.
وادي السيليكون ما زال في الصدارة
على صعيد التصنيف العالمي، حافظ وادي السيليكون على موقعه كأقوى منظومة للشركات الناشئة في العالم، متقدماً على نيويورك ولندن. كما برزت مدن آسيوية مثل بكين وسيؤول وشنغهاي وطوكيو كلاعبين رئيسيين في اقتصاد الابتكار، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في البحث العلمي والتقنيات المتقدمة.
ويؤكد التقرير أن المنافسة لم تعد مقتصرة على الدول الغربية، بل أصبحت معركة عالمية على استقطاب العقول والشركات والتقنيات القادرة على إنتاج القيمة الاقتصادية.
دبي والرياض والقاهرة... ملامح صعود عربي
وفي خضم هذا التحول العالمي، تسعى مدن عربية عدة إلى بناء منظومات اقتصادية قائمة على الابتكار والتكنولوجيا بدلاً من الاعتماد على القطاعات التقليدية فقط.
فقد نجحت دبي خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للأعمال والتكنولوجيا، مستفيدة من بيئة تنظيمية مرنة وبنية تحتية رقمية متقدمة وقدرة كبيرة على جذب المستثمرين ورواد الأعمال من مختلف أنحاء العالم.
أما الرياض، فتشهد تحولاً متسارعاً مدعوماً باستثمارات ضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية تستهدف تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاعات المعرفية في الناتج المحلي. وقد انعكس ذلك على تنامي حضورها في مشهد الشركات الناشئة الإقليمي وجذبها مزيداً من الاستثمارات والمواهب.
وفي المقابل، تمتلك القاهرة مقومات مختلفة لكنها لا تقل أهمية، أبرزها حجم السوق الكبير، والقاعدة الواسعة من الشباب ورواد الأعمال، وتزايد الاهتمام بالاقتصاد الرقمي والشركات التقنية. ورغم التحديات التمويلية، تواصل مصر ترسيخ موقعها كواحدة من أكبر أسواق الشركات الناشئة في المنطقة.
ورغم اختلاف النماذج الاقتصادية لهذه المدن، فإن الهدف المشترك بينها يتمثل في بناء اقتصاد قادر على المنافسة في عصر التكنولوجيا والابتكار.
ما الذي يجعل مدينة ما مركزاً للابتكار؟
يؤكد التقرير أن النجاح في اقتصاد الابتكار لا يتحقق بالتمويل وحده، بل يعتمد على منظومة متكاملة تشمل التعليم، والبحث العلمي، وتوفر المواهب، وسهولة الوصول إلى الأسواق، ووجود تشريعات تدعم الاستثمار وريادة الأعمال.
ويشير إلى أن المدن التي تبنت سياسات داعمة للشركات الناشئة حققت نمواً أسرع في القيمة الاقتصادية لمنظوماتها الريادية، وأضافت مليارات الدولارات إلى اقتصاداتها المحلية.
وهذا ما يفسر التنافس المتزايد بين الحكومات على إنشاء مناطق تقنية، وحاضنات أعمال، وصناديق استثمار متخصصة، وبرامج لجذب الكفاءات من مختلف أنحاء العالم.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
لا يتعلق سباق الابتكار فقط بتأسيس شركات جديدة أو جذب المستثمرين، بل بقدرة الاقتصادات على خلق وظائف نوعية، وزيادة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، وتحقيق نمو طويل الأجل.
وفي منطقة تواجه تحديات البطالة وتباطؤ النمو في بعض القطاعات التقليدية، تبدو التكنولوجيا وريادة الأعمال فرصة حقيقية لبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على المنافسة.
لكن التقرير يبعث في الوقت ذاته رسالة واضحة: النجاح لن يكون من نصيب المدن التي تستهلك التكنولوجيا فقط، بل للمدن التي تنتجها وتطورها وتحوّلها إلى شركات عالمية قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
اقتصاد المستقبل يبدأ الآن
ما يكشفه تقرير الشركات الناشئة العالمي ليس مجرد ترتيب للمدن أو مقارنة بين الأسواق، بل خريطة جديدة للاقتصاد العالمي تتشكل أمام أعيننا. فالثروة في المستقبل لن تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية أو عدد المصانع، بل بقدرة الدول على جذب العقول وتحويل المعرفة إلى منتجات، والابتكار إلى شركات، والشركات إلى محركات للنمو.
وفي هذا السباق العالمي المحتدم، تبدو دبي والرياض والقاهرة أمام فرصة تاريخية لتعزيز حضورها في اقتصاد المستقبل، لكن النجاح سيعتمد على سرعة التحول من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها، ومن استيراد الابتكار إلى إنتاجه. فالعالم يدخل عصراً اقتصادياً جديداً، ومن يتأخر اليوم قد يجد نفسه خارج المشهد غداً.