كيف تستفيد الأسواق الصاعدة من الذكاء الاصطناعي؟
في الوقت الذي تتسابق فيه الشركات الكبرى حول العالم لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة وتعقيدًا، يتشكل على نحو هادئ مسار آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر تأثيرًا على حياة ملايين البشر. هذا المسار لا ينطلق من وادي السيليكون أو المراكز التقنية العالمية، بل من مستشفيات أفريقيا ومدارسها وحقولها الزراعية وأسواقها المحلية، حيث تُستخدم التكنولوجيا ليس لإبهار المستخدمين بقدرات استثنائية، وإنما لحل مشكلات يومية ملحّة تواجه المجتمعات النامية.
ورغم أن النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي يتركز غالبًا على السباق بين القوى الاقتصادية الكبرى، فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لعدد كبير من دول العالم ليس من سيبني أقوى نموذج ذكاء اصطناعي، بل كيف يمكن توظيف هذه التكنولوجيا لتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز جودة التعليم، وزيادة إنتاجية المشروعات الصغيرة، وخلق فرص اقتصادية جديدة. وفي هذا السياق، تبرز الأسواق الصاعدة باعتبارها ساحة واعدة يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والتنمية.
حلول محلية لمشكلات محلية
في أحد المستشفيات النيجيرية، يواجه الأطباء ضغوطًا هائلة نتيجة النقص الحاد في الكوادر الطبية مقارنة بعدد المرضى. وفي بيئة كهذه، تتحول الأعمال الإدارية الروتينية إلى عبء إضافي يستهلك وقتًا ثمينًا كان من الممكن تخصيصه لرعاية المرضى.
وللتعامل مع هذه المشكلة، طورت شركة ناشئة محلية أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسجيل الملاحظات السريرية وتنظيمها تلقائيًا أثناء الفحص الطبي. والأهم أن النظام صُمم للعمل دون الحاجة إلى اتصال دائم بالإنترنت، من خلال جهاز صغير موجود داخل المستشفى. وقد أدى ذلك إلى تقليل الوقت الذي يقضيه الأطباء في التوثيق الإداري ومنحهم فرصة أكبر للتركيز على المرضى.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تعتمد على استيراد نموذج تقني جاهز صُمم لبيئة مختلفة، بل انطلقت من فهم عميق للواقع المحلي. وهذا النهج يوضح أحد أهم الدروس في عصر الذكاء الاصطناعي: الحلول الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة الأكثر تطورًا تقنيًا، وإنما الأكثر ملاءمة للبيئة التي تعمل فيها.
فجوة تتسع بين الشمال والجنوب
على الرغم من الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، فإن الاستفادة من هذه التكنولوجيا لا تزال غير متكافئة بين الدول. فبينما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الاقتصادات المتقدمة، ما تزال معدلات الاستخدام في العديد من الدول منخفضة الدخل محدودة للغاية.
ولا يقتصر السبب على ضعف الاتصال بالإنترنت أو نقص البنية التحتية الرقمية، بل يرتبط أيضًا بطبيعة المنتجات المطروحة في السوق. فمعظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي العالمية بُنيت على افتراض توافر الكهرباء المستقرة، وسرعات الإنترنت العالية، والبيانات الرقمية المنظمة، وهي شروط لا تتوافر دائمًا في أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ومع ذلك، فإن هذه المناطق نفسها تضم قطاعات يمكن أن تحقق أكبر استفادة من الذكاء الاصطناعي. فالتحديات المرتبطة بالرعاية الصحية والتعليم والخدمات المالية والزراعة ما تزال قائمة على نطاق واسع، ما يجعل الحاجة إلى حلول مبتكرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
صعود «الذكاء الاصطناعي العملي»
خلال السنوات الماضية، انصب الاهتمام العالمي على النماذج الضخمة القادرة على إنتاج النصوص والصور وتحليل كميات هائلة من البيانات. لكن في الأسواق الصاعدة يظهر اتجاه مختلف يعتمد على ما يمكن تسميته «الذكاء الاصطناعي العملي»؛ أي الأنظمة المصممة لأداء مهام محددة بكفاءة عالية وبتكلفة منخفضة.
هذا النوع من الحلول لا يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة أو قدرات حوسبة هائلة، بل يركز على تحقيق نتائج مباشرة في مجالات بعينها. والميزة الأساسية له أنه يتكيف مع الواقع المحلي، سواء من حيث اللغة أو الإمكانات التقنية أو طبيعة المستخدمين.
وقد أثبتت تجارب عديدة نجاح هذا النهج. ففي غانا، ساهم برنامج تعليمي قائم على الذكاء الاصطناعي ويعمل عبر تطبيق واتساب في تحسين مستويات تعلم الرياضيات لدى الطلاب بصورة لافتة خلال فترة قصيرة وبتكلفة محدودة. وفي كينيا، استخدمت إحدى الشركات الناشئة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المعاملات التجارية عبر منصة M-Pesa الشهيرة، ما أتاح لصغار التجار الحصول على رؤى تساعدهم على اتخاذ قرارات أفضل بشأن أعمالهم.
أما في الهند، فقد جرى توظيف الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الكشف المبكر عن مرض السل من خلال تحليل أنماط السعال، وهو ما ساهم في رفع معدلات دقة التشخيص والوصول إلى شرائح أوسع من المرضى.
هذه النماذج تؤكد أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تُقاس فقط بقدراته التقنية، بل بقدرته على معالجة مشكلات واقعية وتحقيق أثر ملموس في حياة الناس.
من الابتكار إلى بناء الشركات
ورغم النجاحات المتزايدة، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في الأسواق الصاعدة لا يتمثل في تطوير الأفكار أو بناء المنتجات، وإنما في القدرة على التوسع وتحويل الابتكارات إلى مؤسسات مستدامة.
فالعديد من الشركات تتمكن من إثبات جدوى حلولها على نطاق محدود، لكنها تصطدم بعقبات تتعلق بالتمويل، والوصول إلى الأسواق، وبناء الشراكات، والامتثال للأطر التنظيمية. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى بقاء المشاريع الناجحة في مرحلة التجريب لفترات طويلة دون أن تتمكن من تحقيق انتشار واسع.
وهنا تظهر أهمية بناء منظومات متكاملة للابتكار. فنجاح قطاع الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على رواد الأعمال وحدهم، بل يتطلب وجود شبكة داعمة تشمل المستثمرين والمؤسسات الأكاديمية والحكومات والجهات التنظيمية والشركاء الدوليين.
فكلما كانت هذه المنظومة أكثر نضجًا، زادت فرص تحويل الابتكارات المحلية إلى شركات قادرة على المنافسة والنمو وخلق فرص العمل.
الحكومات أمام اختبار جديد
تمتلك الحكومات دورًا محوريًا في تحديد مسار الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. فإلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، تحتاج الدول إلى تطوير سياسات تشجع الابتكار وتحفز الاستثمار مع ضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
كما تبرز أهمية بناء أطر واضحة لحوكمة البيانات وحماية الخصوصية وتعزيز الأمن السيبراني. فالثقة أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح أي مشروع رقمي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم والخدمات المالية.
وفي الوقت نفسه، تستطيع المؤسسات التنموية الدولية المساهمة في سد فجوة التمويل وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الأسواق الناشئة، بما يساعد الشركات الواعدة على تجاوز المراحل الأولى والوصول إلى مرحلة النمو التجاري.
الثقة... الشرط الأساسي للتبني
كلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، ازدادت أهمية بناء الثقة بين المستخدمين والتكنولوجيا. فالأفراد يحتاجون إلى ضمانات بأن بياناتهم محفوظة، وأن الأنظمة التي يعتمدون عليها عادلة وشفافة ويمكن مساءلتها عند وقوع الأخطاء.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الدول التي لا تزال تطور أطرها التنظيمية ومؤسساتها الرقمية. فغياب الثقة لا يؤدي فقط إلى إبطاء تبني التكنولوجيا، بل قد يحرم فئات واسعة من الاستفادة من الفرص التي تتيحها.
ومن هنا، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بمدى تطور الخوارزميات، بل أيضًا بمدى نجاح المجتمعات في بناء قواعد حوكمة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات.
فرصة تنموية لا ينبغي تفويتها
يقف العالم اليوم أمام لحظة مفصلية في مسار التحول الرقمي. وإذا كانت الثورة الصناعية قد أعادت رسم خريطة الاقتصاد العالمي في الماضي، فإن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إحداث تحول مماثل خلال العقود المقبلة.
لكن الفارق هذه المرة أن الفرصة ليست حكرًا على الاقتصادات الكبرى. فالأسواق الصاعدة تمتلك فرصة حقيقية لتطوير حلولها الخاصة، وبناء شركاتها التقنية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة تحدياتها التنموية، بدل الاكتفاء باستهلاك ما تنتجه الأسواق الأخرى.
إن نجاح هذه الدول في بناء بيئات داعمة للابتكار لن ينعكس فقط على نمو شركات التكنولوجيا، بل سيؤدي إلى خلق وظائف جديدة، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع فرص التعليم والرعاية الصحية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الوطنية.
وفي الوقت الذي يناقش فيه قادة العالم مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل ستُتاح لهذه التكنولوجيا فرصة أن تصبح أداة للتنمية الشاملة، أم ستتحول إلى عامل جديد يعمق الفجوة بين الدول؟ الإجابة ستعتمد إلى حد كبير على القرارات التي تُتخذ اليوم بشأن الاستثمار والحوكمة وتمكين المبتكرين المحليين. فالثورة القادمة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي من المراكز التقليدية للقوة التقنية، بل من المجتمعات التي نجحت في تحويل احتياجاتها اليومية إلى فرص للابتكار والنمو.