Middle East Business

الفجوة الكبرى في الذكاء الاصطناعي

صورة المقال

الفجوة الكبرى في الذكاء الاصطناعي

في كل موجة تكنولوجية كبرى، تظهر فجوة بين تبني التقنية واستيعاب آثارها الحقيقية. حدث ذلك مع الكهرباء عندما استغرق الأمر عقوداً قبل أن تعيد المصانع تصميم خطوط إنتاجها للاستفادة الكاملة منها، وتكرر الأمر مع الإنترنت حين احتاجت الشركات سنوات طويلة قبل أن تدرك أن قيمته لا تكمن في رقمنة العمليات القائمة فحسب، بل في إعادة ابتكار نماذج الأعمال نفسها. واليوم يبدو الذكاء الاصطناعي في المرحلة ذاتها.

تقرير «حالة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات 2026» الصادر عن ديلويت يكشف أن الشركات العالمية حققت تقدماً ملحوظاً في نشر أدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل، لكنها لم تصل بعد إلى المرحلة التي يمكن فيها الحديث عن تحول اقتصادي شامل تقوده هذه التكنولوجيا. فالمشكلة لم تعد تتعلق بإتاحة الأدوات أو ضخ الاستثمارات، بل بقدرة المؤسسات على تحويل هذه التقنيات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

الأرقام تعكس هذا التناقض بوضوح. فقد ارتفع وصول الموظفين إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المئة خلال عام واحد، فيما تتوقع غالبية المؤسسات تسريع انتقال مشاريعها من مرحلة الاختبار إلى التشغيل الفعلي خلال الأشهر المقبلة. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي حقيقة أكثر أهمية؛ وهي أن الاستخدام الفعلي لا يزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة، وأن معظم المؤسسات لم تنجح بعد في دمج الذكاء الاصطناعي داخل جوهر عملياتها التشغيلية.

هذه الفجوة بين الوصول والاستخدام هي ما يصفه التقرير بالحافة غير المستغلة للذكاء الاصطناعي. فالشركات تمتلك التكنولوجيا، لكنها لم تعثر بعد على الصيغة التنظيمية والإدارية التي تسمح بتحويلها إلى محرك نمو حقيقي.

ومن اللافت أن المكاسب الحالية تتركز بصورة رئيسية في مجالات رفع الكفاءة وتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف. وهي نتائج مهمة بطبيعة الحال، لكنها لا تمثل سوى المرحلة الأولى من دورة القيمة الاقتصادية للتقنيات الجديدة. فالتاريخ يوضح أن التأثيرات الأكبر لا تتحقق عندما تساعد التكنولوجيا الشركات على أداء الأعمال نفسها بصورة أسرع، بل عندما تتيح لها القيام بأعمال جديدة بالكامل.

هنا تحديداً يكمن الفارق بين المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تشغيلية، وتلك التي تتعامل معه باعتباره منصة لإعادة ابتكار الأعمال. ويشير التقرير إلى أن نحو ثلث الشركات فقط بدأت استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم منتجاتها وخدماتها ونماذج أعمالها. أما البقية فما تزال تنظر إليه باعتباره وسيلة لتحسين ما هو قائم بدلاً من بناء ما هو جديد.

هذا التباين قد يصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم محددات القدرة التنافسية العالمية. فالشركات التي تكتفي بتحقيق وفورات تشغيلية ستجد نفسها في نهاية المطاف ضمن سوق يتمتع فيه الجميع بالمزايا نفسها. أما المؤسسات التي تعيد تعريف علاقتها بالعملاء والأسواق وسلاسل القيمة من خلال الذكاء الاصطناعي، فهي التي ستتمكن من خلق فجوات تنافسية يصعب على الآخرين تقليدها.

وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام في أن التحدي الأكبر لم يعد تقنياً. فرغم الضجة المصاحبة للتطور السريع في النماذج الذكية، يؤكد التقرير أن العقبات الحقيقية تتعلق بالموارد البشرية والتنظيم المؤسسي أكثر من ارتباطها بالخوارزميات أو البنية التحتية. فالغالبية الساحقة من الشركات لم تعمد بعد إلى إعادة تصميم الوظائف أو هيكلة فرق العمل بما يتناسب مع بيئة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً دائماً في اتخاذ القرار والتنفيذ.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع ظهور الجيل الجديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلية، القادرة على تنفيذ المهام واتخاذ القرارات بصورة مستقلة نسبياً. فبينما تتسابق المؤسسات نحو تبني هذه الأنظمة، لا تزال آليات الحوكمة والرقابة متأخرة عن مواكبة سرعة الانتشار. وهذه الفجوة تطرح أسئلة جوهرية حول المسؤولية والمساءلة وإدارة المخاطر في بيئات العمل المستقبلية.

وفي الوقت ذاته، يبرز مفهوم «الذكاء الاصطناعي السيادي» باعتباره أحد التحولات الاستراتيجية الأكثر تأثيراً. فبعد سنوات كان التركيز فيها منصباً على قدرات التكنولوجيا نفسها، باتت الشركات والحكومات تطرح أسئلة مختلفة: أين يتم تطوير النماذج؟ وأين تُخزن البيانات؟ ومن يسيطر على البنية التحتية الحاسوبية؟ هذه الأسئلة تعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً نحو ربط الذكاء الاصطناعي بالأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية، ما يجعل الجغرافيا عاملاً تنافسياً لا يقل أهمية عن الابتكار.

ولعل الرسالة الأهم التي يحملها تقرير ديلويت هي أن العالم دخل بالفعل مرحلة ما بعد التجارب. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مشروعاً مستقبلياً أو تقنية قيد الاختبار، بل أصبح جزءاً من البنية الاقتصادية الجديدة. إلا أن تحقيق القيمة الكاملة لهذه التكنولوجيا يتطلب تحولاً أعمق من مجرد شراء الأدوات أو إطلاق المبادرات التجريبية.

ففي النهاية، لن يكون الفائزون في سباق الذكاء الاصطناعي هم الأكثر إنفاقاً على التكنولوجيا، بل الأكثر قدرة على إعادة تصميم مؤسساتهم حولها. وكما أعادت الكهرباء والإنترنت تشكيل الاقتصاد العالمي في مراحل سابقة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتجه نحو الدور ذاته. غير أن السؤال الذي سيحدد ملامح العقد المقبل ليس من يمتلك التقنية، بل من يستطيع إعادة ابتكار أعماله واقتصاده قبل أن يفعل المنافسون ذلك.

 

التعليقات

أضف تعليقًا