الخدمات المصرفية المعتمدة على التكنولوجيا المالية في الأسواق الناشئة
تشهد الأسواق الناشئة تحولًا متسارعًا في قطاع الخدمات المالية مع توسع استخدام التكنولوجيا المالية (FinTech)، التي تتيح تقديم الخدمات المصرفية والمالية بطرق رقمية أكثر سرعة ومرونة وأقل تكلفة. ويأتي هذا التحول في ظل استمرار فجوات كبيرة في الوصول إلى الخدمات المالية، إذ لا يزال مليارات الأفراد وملايين الشركات الصغيرة في الأسواق الناشئة يفتقرون إلى الحسابات المصرفية والائتمان والتأمين وأدوات الادخار الرسمية.
وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) إلى أن التكنولوجيا المالية بدأت في معالجة عدد من هذه العوائق من خلال المدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، ومنصات الإقراض الرقمي، والتأمين الإلكتروني، وتحليل البيانات. وفي الوقت نفسه، يفرض هذا التوسع تحديات جديدة تتعلق بحماية المستهلك، والخصوصية، والأمن السيبراني والاستقرار المالي.
التكنولوجيا المالية وسد فجوة الشمول المالي
رغم أن الخدمات المالية متاحة تقريبًا للجميع في الاقتصادات مرتفعة الدخل، لا تزال الفجوة واسعة في الأسواق الناشئة. وتقدر مؤسسة التمويل الدولية أن 1.6 مليار شخص و200 مليون شركة صغيرة لا يحصلون على الخدمات المالية الرسمية.
ويؤدي ضعف الوصول إلى الخدمات المالية إلى الحد من قدرة الأفراد والشركات على الاستثمار، وإدارة الاستهلاك، والادخار، والتعامل مع الصدمات المالية. كما أن غياب التأمين وأدوات الادخار الرسمية يجعل الأسر أكثر عرضة للأزمات المفاجئة، مثل المرض أو الكوارث الطبيعية، ويحد من قدرتها على الاستعداد للمستقبل.
وقد أصبح الشمول المالي منذ أواخر التسعينيات محورًا رئيسيًا في السياسات العامة العالمية، بعدما اتضح أن زيادة الوصول إلى التمويل ترتبط بالنمو الاقتصادي، وتقليص الفجوات بين الجنسين، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات المالية.
لماذا استمر الاستبعاد المالي؟
توضح الدراسة أن جزءًا كبيرًا من الأشخاص غير المتعاملين مع البنوك في الأسواق الناشئة يعملون في وظائف موسمية أو غير رسمية أو يعملون لحسابهم الخاص. وغالبًا ما لا تتناسب الخدمات المصرفية التقليدية مع احتياجات هذه الفئات.
فالفروع المصرفية قد تكون بعيدة جغرافيًا أو تعمل خلال ساعات لا تناسب العمال، كما أن البنوك تعتمد عادةً على السجلات الائتمانية والتاريخ المالي لتقييم العملاء، وهي معلومات قد تكون غير متوفرة أو غير مكتملة في الأسواق التي تعاني من ضعف الأطر القانونية والمؤسسية.
كما أن بعض البنوك تفرض رسومًا ثابتة أو حدًا أدنى للأرصدة لتغطية تكاليف التشغيل، وهو ما قد يجعل الحساب المصرفي أقل جاذبية للأشخاص الذين يقومون بمعاملات صغيرة ومتكررة.
وتواجه الفئات ذات الدخل غير المنتظم صعوبة إضافية في الحصول على القروض، خصوصًا عندما تشترط المؤسسات المالية دخلًا ثابتًا أو ضمانات مادية مثل العقارات.
كيف تعالج التكنولوجيا المالية هذه التحديات؟
تستخدم شركات التكنولوجيا المالية التطورات الرقمية لإعادة تصميم طريقة تقديم الخدمات المالية، بما يؤدي إلى خفض تكاليف المعاملات وتسهيل تخزين المعلومات والبحث فيها والتحقق منها.
كما تتيح البيانات المتوفرة عن العملاء المحتملين استخدام أساليب بديلة لتقييم الجدارة الائتمانية، بدل الاعتماد الكامل على سجلات الائتمان أو الدخل والضمانات التقليدية.
ويعد الهاتف المحمول إحدى أهم الأدوات التي ساعدت شركات التكنولوجيا المالية على الوصول إلى العملاء في الأسواق الناشئة. فبحسب الدراسة، فإن شخصين من كل ثلاثة بالغين لا يحصلون على الخدمات المالية لديهم إمكانية الوصول إلى الهاتف المحمول، الأمر الذي أتاح لشركات التكنولوجيا المالية توسيع نطاق خدماتها. وتشمل هذه الخدمات: المدفوعات عبر الهاتف المحمول والإنترنت. المحافظ الإلكترونية. منصات الادخار والاستثمار الرقمية. الإقراض الرقمي للمشروعات الصغيرة. التقييم الائتماني البديل. التمويل الجماعي والإقراض بين الأفراد. التأمين الرقمي. التحويلات المالية عبر الحدود. خدمات الوساطة والاستثمار الرقمية.
نماذج من شركات التكنولوجيا المالية في الأسواق الناشئة
تستعرض مؤسسة التمويل الدولية عددًا من النماذج التي توضح كيفية استخدام التكنولوجيا المالية لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية.
Konfío – المكسيك: منصة للإقراض الإلكتروني تقدم قروضًا غير مضمونة للشركات الصغيرة، بما يسمح للشركات التي لا تمتلك سجلًا ائتمانيًا رسميًا بالحصول على التمويل.
Fawry – مصر: منصة للدفع الإلكتروني أُطلقت لتسهيل دفع الفواتير إلكترونيًا. واعتمدت الشركة على تركيب أجهزة دفع إلكترونية لدى الشركات الصغيرة لتعزيز ثقة العملاء بالخدمات الرقمية. وبحلول عام 2021، كانت تمتلك نحو 225 ألف نقطة خدمة وتدعم نحو 30 مليون مستخدم شهريًا.
Coverfox – الهند: منصة رقمية للتأمين تتيح للمستخدمين مقارنة شركات التأمين والتقدم للحصول على وثائق التأمين وإدارة المطالبات والتسويات عبر الإنترنت.
Airtel Money – أوغندا: منصة للخدمات المالية عبر الهاتف المحمول توفر الإيداعات والسحوبات، والمدفوعات التجارية، وتحويلات المنافع، والقروض، والادخار، والبطاقات الافتراضية، والتحويلات المالية الدولية.
Earthport منصة للمدفوعات عبر الحدود تهدف إلى توفير بنية تحتية أكثر شفافية وأقل تكلفة للتحويلات المالية والمدفوعات التجارية منخفضة القيمة.
البنية التحتية والبيئة الداعمة للتكنولوجيا المالية
لا يعتمد نجاح التكنولوجيا المالية على الشركات وحدها، بل يتطلب وجود بيئة رقمية ومؤسسية مناسبة. ومن أبرز هذه العوامل:
البنية التحتية الرقمية: بما يشمل شبكات الاتصالات والإنترنت والهواتف المحمولة.
البنية التحتية المالية: مثل أنظمة الدفع والتسوية والحسابات الأساسية.
مكاتب الائتمان وسجلات الضمانات: لتوفير المعلومات اللازمة لتقييم العملاء.
التنظيم والإشراف: من أجل تحقيق التوازن بين الابتكار وإدارة المخاطر.
حماية المستهلك والبيانات: لضمان الثقة في الخدمات الرقمية.
الثقافة المالية: لمساعدة المستخدمين على فهم المنتجات والخدمات المالية.
المنظومة الريادية: بما في ذلك التمويل والحاضنات والإرشاد.
الربط الرقمي: الذي يتيح للأفراد والشركات الوصول إلى الخدمات المالية.
كما يمكن لاستخدام الحكومات للمدفوعات الرقمية والخدمات الإلكترونية أن يعمل كمحفز لتوسع التكنولوجيا المالية، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
التحديات والمخاطر
رغم الفوائد الكبيرة للتكنولوجيا المالية، فإن توسعها يفرض مخاطر جديدة. فعلى المستوى الكلي، يمكن أن يؤدي التوسع السريع في الإقراض الرقمي إلى زيادة الالتزامات الخاصة ومخاطر الائتمان والسيولة، بما قد يؤثر في الاستقرار المالي.
وعلى المستوى الفردي، قد يواجه بعض المقترضين أعباء ديون غير مستدامة.
كما تبرز مخاطر أخرى تتعلق بـ: انتهاك الخصوصية، سرقة الهوية والاحتيال، التمييز الناتج عن الخوارزميات والبيانات المستخدمة في اتخاذ القرارات الأمن السيبراني، ضعف حماية المستهلك، مخاطر البنية التحتية الرقمية، استخدام البيانات بطريقة قد تؤثر في المنافسة والسوق.
ولهذا تؤكد الدراسة أهمية تطوير أطر تنظيمية قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية دون إعاقة الابتكار.
أهمية الاستثمار المسؤول في الخدمات المالية الرقمية
تشير مؤسسة التمويل الدولية إلى أن حداثة الخدمات المالية الرقمية تجعل حماية المستهلك في بعض الأسواق ضعيفة نسبيًا. ولذلك تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن بين حماية المستهلك والاستقرار المالي من جهة، والاستفادة من الشمول المالي والكفاءة والمنافسة من جهة أخرى.
وتدعم مؤسسة التمويل الدولية المبادئ التوجيهية للمستثمرين بشأن الاستثمار المسؤول في الخدمات المالية الرقمية، والتي تركز على قضايا مثل شفافية المنتجات والأسعار، ورفع وعي المستهلكين، وحمايتهم من الممارسات التسويقية العدوانية.
آفاق التكنولوجيا المالية في الأسواق الناشئة
بحسب الدراسة، بلغت القيمة العالمية للتكنولوجيا المالية بحلول منتصف عام 2021 نحو 1.1 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 10% من قيمة قطاع الخدمات المصرفية والمدفوعات العالمي، مقارنة بنحو 4% في عام 2018.
وتشير هذه الأرقام إلى النمو السريع للقطاع، مدفوعًا بالتوسع في الاتصال الرقمي، وتأثير الشبكات، والقدرة المتزايدة على معالجة البيانات.
وفي الأسواق الناشئة، يمكن للتكنولوجيا المالية أن تؤدي دورًا مهمًا في زيادة الشمول المالي والمشاركة الاقتصادية، من خلال تمكين الأفراد والشركات من الوصول إلى رأس المال، واستخدام وسائل دفع أكثر كفاءة، والحصول على أدوات أفضل لإدارة المخاطر.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذا التحول بصورة مستدامة يتطلب توسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية وحماية المستهلك والبيانات.
تعمل التكنولوجيا المالية على إعادة تشكيل قطاع الخدمات المالية في الأسواق الناشئة، من خلال تطوير نماذج أعمال جديدة وتحسين النماذج القائمة. وقد ساهم انتشار الهواتف المحمولة والاتصال الرقمي وتحليل البيانات في توفير فرص جديدة لملايين الأشخاص والشركات التي ظلت خارج النظام المالي الرسمي.
لكن توسيع الوصول المالي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها؛ إذ يتطلب أيضًا بنية تحتية رقمية ومالية قوية، وبيئة تنظيمية فعالة، وحماية للمستهلك والبيانات، ورفع مستوى الثقافة المالية.
وبالتالي، تمثل التكنولوجيا المالية فرصة مهمة لتعزيز الشمول المالي والتنمية الاقتصادية في الأسواق الناشئة، مع ضرورة إدارة المخاطر الجديدة التي ترافق هذا التحول لضمان أن يكون النمو الرقمي شاملًا ومستدامًا.
المصدر: International Finance Corporation (IFC), World Bank Group