الأسواق الحدودية بين الإمكانات الضائعة وفرص النهوض
كشف تقرير حديث للبنك الدولي أن اقتصادات “الأسواق الحدودية” – وهي مجموعة من الدول ذات الدخل المتوسط التي طالما اعتُبرت مرشحة لتكون الجيل المقبل من القوى الاقتصادية الصاعدة – لم تتمكن خلال العقود الأخيرة من تحقيق الطموحات المعقودة عليها. فقد تباطأ نمو الاستثمار للفرد في هذه الدول خلال عقد العشرينيات الحالية إلى أقل من نصف مستواه المسجل في العقد السابق، ما يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة.
وتُعد الأسواق الحدودية خيارًا وسطًا للمستثمرين العالميين الباحثين عن فرص خارج الاقتصادات مرتفعة الدخل؛ فهي أقل اندماجًا في الأسواق المالية العالمية مقارنة بالأسواق الناشئة، لكنها أكثر انفتاحًا من بقية الاقتصادات النامية التي لا تندرج ضمن أي من الفئتين. وقد أسهم تصنيف “الأسواق الناشئة” و”الأسواق الحدودية” منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي – بدعم من مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي – في توجيه تدفقات استثمارية خاصة مهمة إلى الدول النامية.
وقال إندرمِت جيل، كبير الاقتصاديين والنائب الأول للرئيس لاقتصاديات التنمية في مجموعة البنك الدولي، إن الأسواق الحدودية – باستثناء عدد محدود من الدول التي حصلت على تصنيف استثماري خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية – ربما تمثل “أكبر خيبة أمل في مسار التنمية الاقتصادية”. وأضاف أن سكان هذه الدول يتمتعون، في المتوسط، بمستويات تعليم أعلى وأعمار أطول مقارنة بسكان الاقتصادات النامية الأخرى، كما أن سياساتها ومؤسساتها أفضل نسبيًا، وبعضها غني بالموارد الطبيعية، إلا أنها لم تتمكن من تحويل هذه المقومات إلى تقدم اقتصادي ملموس.
ويعيش في الأسواق الحدودية اليوم نحو 1.8 مليار نسمة، أي ما يعادل خُمس سكان العالم، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بنحو 800 مليون نسمة خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة – وهو نمو يفوق بقية دول العالم مجتمعة. وتتركز أكثر من ثلث هذه الاقتصادات في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. كما أن العديد منها غني بالمعادن الضرورية للتقنيات الحديثة المرتبطة بالطاقة المتجددة والاتصالات والإلكترونيات الاستهلاكية.
ومن السمات الجاذبة للمستثمرين أن أسواق الأسهم في هذه الدول أظهرت خلال الـ25 عامًا الماضية تحركًا شبه مستقل عن الأوضاع المالية العالمية؛ إذ لم تفسر العوامل العالمية سوى واحد من كل ثمانية تقلبات في أسهم الأسواق الحدودية، وهي نسبة أقل بكثير مقارنة بالاقتصادات المتقدمة أو الأسواق الناشئة.
من جانبه، أشار م. أيهان كوسه، نائب كبير الاقتصاديين ومدير مجموعة آفاق الاقتصاد العالمي في البنك الدولي، إلى أن هذه الاقتصادات ستلعب دورًا محوريًا في مواجهة تحدي الوظائف في الدول النامية، إذ سيشكل شبابها نحو خُمس الـ1.2 مليار شاب الذين سيدخلون سن العمل خلال العقد المقبل. ولفت إلى أن أفضل الأسواق الحدودية أداءً اتبعت مسارات مختلفة، لكنها تشاركت في عناصر أساسية، أبرزها سياسات داعمة للنمو، وبنية تحتية مشجعة للاستثمار، وإدارة مالية رشيدة، وبيئة مؤسسية جاذبة للقطاع الخاص. وكانت النتائج لافتة، إذ تضاعف متوسط دخل الفرد في الشريحة الأعلى أداءً أربع مرات تقريبًا خلال ربع القرن الماضي.
في المقابل، لم تحقق غالبية الأسواق الحدودية تقدمًا يُذكر في جذب الاستثمارات منذ عام 2000. فقد تراجع معدل نمو الاستثمار للفرد تدريجيًا خلال الـ25 عامًا الماضية، ليصل إلى نحو 2% فقط في عقد العشرينيات، أي أقل من نصف معدله في العقدين السابقين. ولا تستحوذ هذه الاقتصادات اليوم سوى على 3.1% من تدفقات رأس المال العالمية، وأقل من 5% من الناتج الاقتصادي العالمي.
ورغم إحراز تقدم ملحوظ على صعيد القوانين المنظمة لانفتاح الأسواق المالية – إذ باتت الأسواق الحدودية اليوم منفتحة بنحو نصف مستوى الاقتصادات المتقدمة مقارنة بخُمس هذا المستوى عام 2000 – فإن التطور الفعلي للأسواق المالية ظل بطيئًا. فما تزال أسواق العملة المحلية ضعيفة نسبيًا، كما أن البنوك والمؤسسات المالية المحلية تقدم قروضًا أقل للقطاع الخاص مقارنة بنظيراتها في الأسواق الناشئة.
ويؤكد التقرير أن تعزيز الانضباط المالي سيكون عاملًا حاسمًا في تمكين هذه الاقتصادات من استغلال إمكاناتها. فقد ارتفع الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بقيت الإيرادات شبه مستقرة، ما أدى إلى تصاعد أعباء الديون وتكرار حالات التعثر. وتنفق الأسواق الحدودية حاليًا نحو 2.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على مدفوعات الفائدة الصافية، وهي نسبة تفوق نظيرتها في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأخرى. كما أن نحو 40% من هذه الدول تعرضت للتخلف عن سداد ديونها مرة واحدة على الأقل بين عامي 2000 و2024، وسجلت منذ جائحة كوفيد-19 عددًا من حالات التعثر يفوق مجموع بقية دول العالم.
ورغم هذه التحديات، برزت نماذج نجاح لافتة. فقد تحولت فيتنام من واحدة من أفقر دول العالم مطلع الألفية إلى واحدة من أسرع عشر اقتصادات نموًا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. كما تمكنت رواندا، بعد خروجها من حرب أهلية في التسعينيات، من ترسيخ مكانتها كإحدى قصص النجاح الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء، معتمدة بدرجة كبيرة على السياحة وقطاع الخدمات. كذلك، نجحت أربع دول حدودية – بلغاريا وكوستاريكا وبنما ورومانيا – في بلوغ مصاف الدول ذات الدخل المرتفع منذ عام 2012.
ويخلص التقرير إلى أن فتح الأسواق وحده لا يكفي؛ إذ يتعين على هذه الاقتصادات تطوير أسواقها المالية، وتعزيز أطرها المؤسسية، وإرساء الضوابط الكفيلة بإدارة الانفتاح بكفاءة. فالإمكانات كبيرة، لكن تحويلها إلى إنجاز يتطلب إصلاحات أعمق وأكثر استدامة.
لتحميل التقرير الكامل:
https://www.worldbank.org/gep