Middle East Business

لماذا نثق بالمؤثرين أكثر من الإعلام؟

صورة المقال

لماذا نثق بالمؤثرين أكثر من الإعلام؟

تحوّل جذري في اقتصاد المبدعين يعيد تعريف مصدر الثقة

بينما تنفق استوديوهات هوليوود وشركات الإعلام التقليدية مليارات الدولارات سنوياً لمحاربة تراجع الجمهور والحفاظ على نفوذها التاريخي، ينجح آلاف المبدعين حول العالم في اجتذاب مئات الملايين من المشاهدين بكاميرا هاتف وحساب على منصة رقمية. وفي الوقت الذي تكافح فيه المؤسسات الإعلامية للحفاظ على حصتها من سوق الإعلان والانتباه، يبني أفراد مستقلون إمبراطوريات إعلامية وتجارية تتجاوز في بعض الأحيان تأثير مؤسسات عمرها عقود.

يشير مصطلح اقتصاد المبدعين (Creator Economy) إلى المنظومة الاقتصادية التي تتيح لصناع المحتوى والمؤثرين تحقيق الدخل من الجماهير الرقمية عبر الإعلانات والاشتراكات والتجارة الاجتماعية والتسويق بالمؤثرين. وخلال السنوات الأخيرة، تحول هذا القطاع من نشاط هامشي مرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي إلى أحد أسرع قطاعات الاقتصاد الرقمي نمواً في العالم، مع تدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات والإعلانات نحو صناعة المحتوى الرقمي وأسواق المؤثرين

تشير التقديرات إلى وجود نحو 50 مليون صانع محتوى ينتجون مواد رقمية يتفاعل معها أكثر من خمسة مليارات مستخدم عبر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم. كما يُتوقع أن تصل قيمة التجارة الاجتماعية إلى نحو تريليوني دولار بحلول عام 2026 بمعدل نمو سنوي مركب يقترب من 25%. أما اقتصاد المبدعين نفسه فقد تجاوز حاجز 200 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 1.35 تريليون دولار خلال العقد المقبل إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في ما تكشفه من إعادة هيكلة عميقة لسلاسل القيمة داخل الإعلام والإعلان والتجارة الرقمية. فعلى مدار عقود طويلة، كانت المؤسسات الإعلامية تتحكم في الإنتاج والتوزيع والوصول إلى الجمهور، بينما كانت العلامات التجارية تعتمد عليها للوصول إلى المستهلكين. أما اليوم، فقد أصبح المبدع يمتلك قناة التوزيع والجمهور والثقة في الوقت نفسه، ما أدى إلى تقليص دور الوسطاء التقليديين وإعادة رسم العلاقة بين المنتج والمستهلك.

كيف يغير اقتصاد المبدعين سوق الإعلان والتسويق الرقمي؟

من الناحية الاقتصادية، يمكن اعتبار اقتصاد المبدعين أحد أبرز تجليات ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الثقة". فعندما يثق 69% من المستهلكين بتوصيات المؤثرين أكثر من الرسائل الإعلانية المباشرة، فإن ذلك لا يعكس نجاح المؤثرين فحسب، بل يكشف أيضاً عن تراجع فعالية النموذج الإعلاني الذي هيمن على الأسواق لعقود طويلة. فالمستهلك لم يعد يستجيب بالقدر نفسه للرسائل الصادرة عن المؤسسات، بل أصبح يبحث عن توصيات تأتي من أشخاص يعتقد أنهم يشبهونه أو يفهمون احتياجاته. وهذا التحول لا يغير أدوات التسويق فقط، بل يعيد تعريف طبيعة رأس المال نفسه، حيث تتحول الثقة إلى أصل اقتصادي قابل للتحويل إلى إيرادات واستثمارات ونفوذ سوقي.

ولا عجب أن تنجذب الشركات إلى هذا النموذج. فالتسويق بالمؤثرين يحقق عائداً متوسطه 5.78 دولار لكل دولار يتم إنفاقه، بينما تصل بعض الحملات الناجحة إلى عوائد تتراوح بين 18 و20 دولاراً لكل دولار مستثمر. كما أن 80% من العلامات التجارية إما حافظت على ميزانيات التسويق بالمؤثرين أو زادتها خلال العامين الماضيين، في إشارة إلى أن الشركات لم تعد تنظر إلى هذا المجال باعتباره قناة إعلانية هامشية، بل جزءاً أساسياً من استراتيجيات النمو.

لكن تدفق الأموال نحو اقتصاد المبدعين يثير سؤالاً أكثر أهمية: من هو الرابح الأكبر فعلياً؟

للوهلة الأولى يبدو أن المبدعين هم المستفيدون الرئيسيون، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فمعظم القيمة الاقتصادية لا تزال تتجمع لدى المنصات الرقمية التي تسيطر على البيانات والخوارزميات وقنوات التوزيع. فالمعلن يدفع للوصول إلى الجمهور، والمبدع ينتج المحتوى الذي يجذب هذا الجمهور، لكن المنصة هي التي تتحكم في البنية التحتية التي تسمح بتحويل الانتباه إلى إيرادات.

ويكشف تحليل سلاسل القيمة داخل هذا القطاع عن مفارقة لافتة. فبينما يبدو المبدعون الواجهة الأكثر وضوحاً للاقتصاد الجديد، فإن الجزء الأكبر من القيمة لا يزال يتدفق نحو المنصات نفسها. وبعبارة أخرى، فإن اقتصاد المبدعين لا يلغي دور الوسطاء كما يُشاع أحياناً، بل يستبدل الوسطاء التقليديين بوسطاء رقميين أكثر قوة وتأثيراً.

ومن هذا المنظور، تبدو المعركة الاقتصادية الحقيقية مختلفة عما يظهر على السطح. فالقضية ليست منافسة بين المبدعين على عدد المتابعين، بل منافسة بين المنصات على السيطرة على رأس المال الأكثر ندرة في العصر الرقمي: الانتباه البشري. وكلما ازدادت قدرة منصة معينة على احتكار الانتباه، ازدادت قدرتها على فرض شروطها على المبدعين والمعلنين في آن واحد. ولهذا السبب فإن السؤال المركزي في اقتصاد المبدعين لا يتعلق فقط بمن يصنع المحتوى، بل بمن يملك قواعد اللعبة التي تحدد كيفية وصول هذا المحتوى إلى الجمهور.

من يربح فعلياً؟ إعادة توزيع القيمة بين المنصات والمعلنين والمبدعين

رغم الحماس الذي يحيط بالقطاع، فإن سردية النمو المستمر تستحق قدراً أكبر من التدقيق. فالتاريخ الاقتصادي مليء بالقطاعات التي بدت في لحظة معينة وكأنها ستغير العالم إلى الأبد، قبل أن تكتشف الأسواق لاحقاً أن التوقعات سبقت الواقع.

من هنا يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام اقتصاد مستدام بالفعل أم مجرد دورة تضخمية جديدة يغذيها الإنفاق الإعلاني ورأس المال الاستثماري؟ فالكثير من التقييمات الحالية تستند إلى توقعات متفائلة حول استمرار نمو التجارة الاجتماعية وميزانيات التسويق الرقمي. لكن ماذا سيحدث إذا دخل الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ حادة؟ وماذا لو تعرضت ميزانيات التسويق لضغوط كبيرة أو تغيرت خوارزميات المنصات التي يعتمد عليها المبدعون في الوصول إلى جماهيرهم؟

صحيح أن حجم السوق يتوسع بوتيرة لافتة، لكن جزءاً من هذا النمو يعتمد على استمرار تدفق الأموال من العلامات التجارية والمستثمرين. والواقع أن عدداً كبيراً من المبدعين لا يبيعون منتجات أو خدمات مستقلة بقدر ما يعتمدون على إنفاق المعلنين. وهذا يثير تساؤلاً حول ما إذا كان القطاع يخلق قيمة اقتصادية جديدة بالكامل أم أنه يعيد توزيع الإنفاق الإعلاني عبر قنوات أكثر حداثة فقط.

كما تكشف البيانات جانباً آخر من التحدي. فوفقاً لدراسات دولية، يحقق نحو 58% من المبدعين أقل من 50 ألف دولار سنوياً، بينما يعتمد 89% منهم على أكثر من منصة لتحقيق الدخل. هذه الأرقام تعكس هشاشة اقتصادية لا تظهر عادة في العناوين الاحتفالية التي تتحدث عن المليارات المتدفقة إلى القطاع. وهي تذكرنا بأن اقتصاد المبدعين، رغم نموه السريع، ما زال يواجه إشكاليات شبيهة بتلك التي واجهها اقتصاد العمل الحر والمنصات الرقمية خلال العقد الماضي.

وفي الوقت نفسه، يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من التعقيد. فمن جهة، يمنح المبدعين أدوات إنتاج وتحليل أكثر كفاءة، ومن جهة أخرى يهدد بإغراق الإنترنت بكميات هائلة من المحتوى منخفض التكلفة. غير أن هذه المفارقة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة لما يتوقعه البعض؛ فكلما أصبح إنتاج المحتوى أسهل، ازدادت قيمة الثقة البشرية والأصالة والقدرة على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور. وفي عالم يزداد امتلاءً بالمحتوى الاصطناعي، قد تصبح المصداقية البشرية سلعة أكثر ندرة، وبالتالي أكثر قيمة.

ولا يقتصر تأثير هذا التحول على سوق الإعلان، بل يمتد إلى صناعة الترفيه بأكملها. فهوليوود التي كانت لعقود مصنعاً عالمياً للنجوم والقصص تواجه منافسة من نموذج أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر قرباً من الجمهور. فالمبدعون لا يملكون جمهوراً فقط، بل يملكون بيانات مباشرة حول سلوك هذا الجمهور وتفضيلاته، وهي ميزة استراتيجية تزداد أهميتها في اقتصاد قائم على المعرفة والبيانات.

ولهذا السبب بدأت شركات الإنتاج والبث الرقمي تنظر إلى المبدعين باعتبارهم أصولاً فكرية جاهزة للاستثمار، وليس مجرد أدوات تسويق. فالمبدع الناجح اليوم يأتي مصحوباً بجمهور جاهز وثقة متراكمة وهوية واضحة، وهي عناصر أصبحت أكثر ندرة من رأس المال نفسه في كثير من الأحيان.

في النهاية، لا يمثل اقتصاد المبدعين مجرد قطاع سريع النمو داخل الاقتصاد الرقمي، بل يعكس تحولاً أعمق في توزيع النفوذ الاقتصادي والثقافي بين المؤسسات والأفراد. غير أن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تُقاس بحجم النمو وحده، بل بمن ينجح في السيطرة على البنية التحتية التي تدعم هذا النمو.

واليوم، بينما تتدفق الاستثمارات نحو المنصات والمواهب الرقمية وتواصل الجماهير نقل ولائها من المؤسسات إلى الأفراد، يبقى السؤال الأكثر أهمية بلا إجابة واضحة: من سيحصد القيمة النهائية لهذا التحول؟ هل سيكون المبدعون الذين يصنعون الثقة؟ أم المنصات التي تملك الخوارزميات والبيانات وقنوات التوزيع؟ أم الشركات التي تنجح في بناء الجسر بين الطرفين؟

السؤال لم يعد ما إذا كان اقتصاد المبدعين سيواصل النمو، بل من سيملك البنية التحتية القادرة على تحويل هذا النمو إلى نفوذ اقتصادي دائم. فكما صنعت السكك الحديدية ثروات الثورة الصناعية، قد تصنع منصات المبدعين ثروات الاقتصاد الرقمي المقبل. أما من سيتحكم بهذه المنصات، فهذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت بالفعل.

التعليقات

أضف تعليقًا