Middle East Business

بنك فلسطين 2025: من العمل الخيري إلى الاستثمار المجتمعي المستدام

صورة المقال

بنك فلسطين 2025: من العمل الخيري إلى الاستثمار المجتمعي المستدام

في أوقات الأزمات الاقتصادية والإنسانية، تُختبر المؤسسات ليس فقط بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بمدى قدرتها على المساهمة في استقرار المجتمعات التي تعمل فيها. وبينما تنظر بعض الشركات إلى المسؤولية الاجتماعية باعتبارها نشاطاً مكملاً للأعمال، تتجه مؤسسات أخرى إلى التعامل معها كجزء من استراتيجيتها طويلة الأجل لإدارة المخاطر وتعزيز التنمية وبناء رأس مال اجتماعي مستدام. وفي هذا السياق، لم تعد المسؤولية الاجتماعية مجرد تبرعات موسمية أو مبادرات خيرية متفرقة، بل أصبحت أداة اقتصادية تسعى من خلالها المؤسسات إلى تحقيق أثر قابل للقياس يمتد إلى ما هو أبعد من النتائج المالية المباشرة.

يعكس تقرير المسؤولية الاجتماعية لبنك فلسطين لعام 2025 هذا التحول بوضوح، حيث تبنى البنك نهجاً يربط مبادراته المجتمعية بأهداف التنمية المستدامة، مع التركيز على قياس الأثر الاجتماعي والبيئي وتحويل الإنفاق المجتمعي إلى استثمارات طويلة الأمد في التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والإغاثة والتنمية البيئية. وبلغ إجمالي مساهمات البنك في برامج المسؤولية الاجتماعية أكثر من 4.17 مليون دولار خلال عام 2025، توزعت على مجموعة واسعة من القطاعات التنموية والإنسانية.

عندما يصبح الإنفاق الاجتماعي استثماراً في رأس المال البشري

أحد أبرز المؤشرات في التقرير يتمثل في تركيز ما يقارب نصف ميزانية المسؤولية الاجتماعية على قطاعي التعليم والريادة، اللذين استحوذا على 48% من إجمالي التدخلات. ولا يبدو هذا التوجه عشوائياً، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

فالدعم شمل مدارس ومختبرات تعليمية ومبادرات حديثة للتعلم، إضافة إلى منح جامعية وبرامج تستهدف تطوير المهارات القيادية وتعزيز الابتكار والإبداع لدى الشباب. كما استفاد آلاف الطلبة من برامج متنوعة شملت توزيع 6000 حقيبة مدرسية ودعم عشر مدارس في الضفة الغربية والقدس وإنشاء مرافق تعليمية جديدة تخدم مئات الأطفال.

اقتصادياً، تكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تتجاوز معالجة الاحتياجات الآنية نحو بناء قدرات إنتاجية مستقبلية. فكل دولار يُستثمر في التعليم لا ينعكس فقط على الفرد المستفيد، بل يساهم في تعزيز إنتاجية الاقتصاد ككل، وهو ما يفسر لماذا أصبحت تنمية المهارات والمعرفة جزءاً أساسياً من استراتيجيات الاستدامة لدى المؤسسات المالية الكبرى حول العالم.

ويظهر البعد التنموي أيضاً في برامج التمكين الاقتصادي التي استهدفت دعم النساء صاحبات الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. فقد استفادت أكثر من 100 سيدة من مبادرات مختلفة ركزت على تطوير المهارات وخلق فرص الدخل وتشجيع الحلول الاقتصادية الإبداعية. كما ساهمت بعض البرامج في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتعزيز قدرة المشاريع المحلية على الوصول إلى الأسواق.

بين الاستجابة الإنسانية والتنمية طويلة الأجل

لكن التقرير يعكس أيضاً واقعاً فلسطينياً استثنائياً يجعل من الصعب الفصل بين العمل التنموي والتدخل الإنساني. ففي ظل الظروف التي شهدها قطاع غزة والضفة الغربية خلال عام 2025، خصص البنك 28% من ميزانية المسؤولية الاجتماعية للتدخلات الإنسانية والإغاثية.

وشملت هذه التدخلات برامج دعم مباشر للأسر المتضررة والفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب استمرار برنامج "نور" لرعاية أيتام غزة، الذي يستهدف 20 ألف يتيم ويقدم خدمات إنسانية وصحية وتعليمية ونفسية متكاملة.

قد يرى البعض أن هذا النوع من الإنفاق يندرج ضمن العمل الإغاثي التقليدي أكثر من كونه استثماراً تنموياً، إلا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الاستجابة للأزمات أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الاستدامة ذاته. فالمجتمعات التي تعجز عن تجاوز الصدمات الإنسانية تفقد جزءاً من قدرتها على النمو والإنتاج والاستقرار، ما يجعل من التدخلات الإغاثية ضرورة اقتصادية بقدر ما هي واجب اجتماعي.

كما امتدت الاستثمارات المجتمعية إلى القطاع الصحي، الذي استحوذ على 17% من الميزانية الإجمالية. وشملت المبادرات تطوير البنية التحتية الطبية، وإنشاء وحدة تنظير في مستشفى مار يوسف بالقدس تخدم نحو 30 ألف مريض سنوياً، إضافة إلى دعم برامج التأهيل والكشف المبكر والرعاية الصحية للفئات الأكثر احتياجاً.

ومن منظور اقتصادي، لا تمثل هذه المشاريع مجرد خدمات صحية، بل استثمارات مباشرة في تحسين جودة الحياة وخفض التكاليف الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن ضعف الرعاية الصحية، وهو ما ينعكس في النهاية على إنتاجية المجتمع واستقراره.

المسؤولية الاجتماعية كأداة لبناء الاستدامة

ما يميز التقرير ليس حجم الإنفاق فقط، بل اتساع نطاق الأثر. فقد أشار إلى استفادة أكثر من 55 ألف شخص بشكل مباشر وأكثر من 250 ألف شخص بشكل غير مباشر من تدخلات المسؤولية الاجتماعية خلال عام 2025. كما شملت المبادرات قطاعات البيئة والثقافة والرياضة، في محاولة لبناء مفهوم أكثر شمولاً للتنمية المجتمعية.

وفي الوقت الذي تزداد فيه الضغوط على المؤسسات المالية لإثبات مساهمتها في تحقيق أهداف الاستدامة، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الأموال المخصصة للمسؤولية الاجتماعية بقدر ما يتعلق بقدرة هذه الأموال على إحداث أثر قابل للقياس ومستدام على المدى الطويل.

ولهذا السبب تكتسب النماذج التي تربط المسؤولية الاجتماعية بأهداف التنمية المستدامة أهمية متزايدة عالمياً. فالمؤسسات لم تعد تُقيَّم فقط وفق نتائجها المالية، بل وفق قدرتها على المساهمة في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود وأكثر استعداداً لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

في النهاية، يكشف تقرير بنك فلسطين أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية يشهد تحولاً تدريجياً من العمل الخيري التقليدي إلى الاستثمار المجتمعي المنظم. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس مقدار ما تنفقه المؤسسات على برامجها المجتمعية، بل مدى قدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. ففي عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً، قد تصبح القدرة على بناء رأس مال اجتماعي قوي أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها المؤسسات، وربما أحد المعايير الرئيسية للحكم على نجاحها في المستقبل.

للاطلاع على التقرير كاملا:

 https://middleeast-business.com/Reports/CRS%20report%202025.pdf

التعليقات

أضف تعليقًا